الثلاثاء 03/فبراير/2026
شاعر العيون… فلسفة الجمال الصامت

ألّف مئات القصائد وتغنّى بها أكثر من 25 مطربًا

شاعر العيون… فلسفة الجمال الصامت

 

 

«عيونك كانوا في عيوني»… الحب لغة تُرى ولا تُقال

النجيب صاغ النص  وعبد المنعم حسيب  تفرّد  في الأداء

كلمات لا تشيخ وصوت يشبه السودان في أنقاه

 

عيونك كانوا في عيوني ... يصدوني وينادوني

بهذين السطرين، يفتح الشاعر عبد الله النجيب نافذة واسعة على وجدان الأغنية السودانية، حيث لا يكون الحب تصريحًا مباشرًا، بل إحساسًا يُلمَح في العيون، ويُخشى البوح به أكثر مما يُشتهى.

الشاعر عبد الله النجيب من أم درمان، حي ود أرو، وُلد عام 1931م، وهو من أهم شعراء الأغنية في السودان. اشتهر بتكرار مفردة العيون في شعره، حتى أطلقت عليه الجماهير والإعلام لقب (شاعر العيون).

لم يكن عبد الله النجيب شاعرًا عاديًا، بل كان عضوًا مؤسسًا في اتحاد شعراء الأغنية، وألّف مئات القصائد الغنائية التي تغنّى بها أكثر من 25 مطربًا سودانيًا. في أعماله كانت العيون دائمًا محور الجمال والحب والروح الإنسانية.

آمن النجيب بأن العيون مرآة القلوب، وبأن الأرواح تكشف الحب والحنان والأمل بلغةٍ أقوى من الكلام، وكأنها خطاب صامت لا يخطئه من يشعر.

 

صوت دافئ

الفنان عبد المنعم حسيب، من الحصاحيصا، كان صاحب صوت غنائي دافئ وشجي، واشتهر بأدائه لأغانٍ جميلة من كلمات شعراء كبار. من أشهر أعماله:
كل ما سألت عليك ردّوني، حراسك، وعيونك كانوا في عيوني.

عاش عبد المنعم حسيب فترة طويلة في الخليج منذ السبعينات، ثم عاد إلى السودان في أواخر التسعينات. توفي في حادث أليم وهو في طريق عودته إلى مسقط رأسه بالحصاحيصا، بعد تسجيل حلقة إذاعية، في لحظة مؤثرة كانت أغنيته تُبث عبر الإذاعة في ذات اللحظة.

 

حكاية حب خائف من الظهور

أغنية (عيونك كانوا في عيوني) هي حكاية حب قوي، خاف من الظهور، حب عميق وصادق، لكن الظروف كانت قاسية.

قراءة في النص

«عيونك كانوا في عيوني»

العيون هنا كانت دائمًا أمام الشاعر، مسيطرة على إحساسه، تلفته وتشدّه.
لم تعد مجرد نظرات، بل رمزًا للقلب والمشاعر.

عند شاعرنا، العيون ليست جزءًا من الوجه فقط، بل مرآة الروح، تقول ما تعجز الكلمات عن قوله.

 

**«يصدوني وينادوني

أخاف لو قلت حبوني
وأقول يمكن يحبوني»**

الشاعر في حالة حيرة، محاصر بين قلبه والكلام.
يخاف أن يبوح بحبه خشية الصد، ويتردد بين احتمالين:
إما أن يُقابل حبه بالقبول والاحترام، أو يُشكّك في صدقه ويُردّ.

«ظروفنا تحرّم اللقيا»

جملة محورية في الأغنية، تختصر الصراع كله.
الظروف الاجتماعية أو الواقع العام منعت اللقاء والوصل، رغم طهارة الحب وصفائه.

هنا يصبح الحب مكتومًا، غير مُعلن، مما يزيد الوجدان عمقًا، ويضاعف الألم الصامت.

**«تعال نتحدى حدّ الخوف

نكون ظاهرين وما خايفين»**

تحوّل واضح في مسار النص.
لم يعد الشاعر راغبًا في الصمت أو الكتمان، بل قرر المواجهة.
دعوة صريحة للشجاعة، للإفصاح عن المشاعر بوضوح، فالحب ليس عيبًا ولا خطأ.

**«نفتح في قلوب الناس

مشاتل من حنان حلوة»**

خاتمة بديعة، يتحول فيها الحب من حالة خاصة إلى قيمة إنسانية عامة.
فتح للقلوب، نشر للحنان، وفخر بالإحساس النبيل.

الحب لم يعد مجرد شعور داخلي، بل هبة تُزرع في الناس وتكبر.

رسالة الأغنية

أغنية (عيونك كانوا في عيوني) رسالة حب صادقة:
تبدأ بالخوف من إعلان الحب، وتنتهي بالتحدي والشجاعة.

تقول إن الحب ليس مشكلة، وإنه قادر على فتح القلوب وإدخال الفرح إلى الآخرين.
استخدم الشاعر العيون رمزًا للحب الحقيقي والصدق، وكأنه يؤكد أن ما في القلب لا يمكن إخفاؤه طويلًا.

 

أيقونة في تاريخ الغناء السوداني

تمثل هذه الأغنية أيقونة غنائية في تاريخ الأغنية السودانية.
كلماتها للشاعر الكبير عبد الله النجيب، الملقب بشاعر العيون، تتغلغل في أعماق المشاعر الإنسانية، وتستعرض حالة حب طاهر تصطدم بقيود المجتمع والخوف من الإعلان.

وبأداء الفنان عبد المنعم حسيب، أصبحت الأغنية رمزًا للحب الراقي الذي يتحدى الظروف ويزهر في قلوب الناس.

 

تحية وفاء

في ختام هذه الرحلة الوجدانية، لا بد من الوقوف باحترام أمام اسمين قدّما للأغنية السودانية أكثر مما نالا من إنصاف.

الفنان عبد المنعم حسيب، ذلك الصوت النبيل الذي اختار الهدوء طريقًا، والصدق منهجًا، فدفع ثمن ذلك ظلمًا إعلاميًا لا يليق بتجربته ولا بجمال عطائه. غنّى بإحساس خجول، وكان صوته انعكاسًا لشخصيته: نقيًا، مهذبًا، بعيدًا عن الضجيج.

وإلى جانبه يقف الشاعر عبد الله النجيب، شاعر العيون، الذي كتب للحب بلغة لا تعرف الابتذال، وصاغ المشاعر بكلمات عفيفة تشبه أهلها. شاعر آمن بأن النظرة أبلغ من الخطاب، وبأن العيون حين تحب تفضح القلب مهما حاول الاختباء، فجاءت كلماته مرايا للوجدان: لا تُبهرك، لكنها تكشفك.

حين التقت كلمات عبد الله النجيب بصوت عبد المنعم حسيب، وُلدت أغنية لا تشيخ، أغنية تشبه السودان في أنقاه:
حب محتشم، إحساس عميق، وخوف جميل من كسر الحياء.

«عيونك كانوا في عيوني» لم تكن مجرد عمل غنائي عابر، بل إضافة ثمينة إلى مكتبة الإذاعة السودانية، وواحدة من تلك الأغنيات التي لا تُقاس بعدد مرات بثها، بل بعمق أثرها في النفوس.

هي أغنية تذكرنا بأن الفن الحقيقي لا يحتاج إلى صخب،
وأن بعض الأصوات خُلقت لتعيش طويلًا، حتى لو ظلمها الضوء،
وبعض الكلمات كُتبت لتبقى، حتى لو تجاهلتها المنصات.

رحم الله عبد المنعم حسيب، وأطال عمر عبد الله النجيب،
فقد تركا لنا عملًا يهمس كلما استمعنا إليه:
أن الحب حين يكون صادقًا، يكفيه أن يُرى في العيون.

 


0 التعليقات:

أضف تعليقك

آخر الأخبار