مشروع فني يعيد تعريف الغناء السوداني
صوت انتصر للتراث .. وجمهور مختلف وذائقة واعية
كيف صنعت نانسي عجاج جمهورًا مختلفًا للغناء التقليدي؟
ليست نانسي عجاج مجرد صوت جميل يمرّ عبر الأذن ثم يمضي، بل هي تجربة فنية متكاملة، وحالة ثقافية نادرة أعادت للغناء السوداني هيبته، وللتراث روحه المتجددة. في مسيرتها الممتدة لأكثر من عشرين عامًا، لم تتعامل مع الموروث بوصفه مادة خام جامدة، بل بوصفه كائنًا حيًا يحتاج إلى من يُصغي إليه بعمق، ويمنحه فرصة جديدة للحياة. هكذا غنّت نانسي، لا من فوق التراث بل من داخله، فرفعت قيمته، وجعلته معاصرًا دون أن تفرّط في أصالته. صوتها جاء مثل الفجر؛ هادئًا، صادقًا، محمّلًا بالوعد، وقادرًا على أن يفتح نوافذ في القلوب ويقيم فيها طويلًا.
تراث وابداع
ليست الموسيقى عند نانسي أصواتًا تُسمع فحسب، بل عوالم تُقام. حين استمعتُ إلى لحن الأغنية الشعبية «أندريا»، تيقنت أن التراث إذا وقع في أحضان مبدع حقيقي، امتلك القدرة على الخلود والصمود والبقاء.
«أندريا» التي جاءت من أشعار المبدعة بلدوسة، تلك التي حاصرها حب الإغريقي أندريا، فاستغاثت بالمقامات والأضرحة، أعادت نانسي صياغتها بروح جديدة، منحتها بعدًا موسيقيًا معاصرًا، دون أن تمسّ جوهرها أو تُفرّغها من روحها الأولى.
غرام خاص
لنانسي غرام خاص بعوالم التصوف، تعشق طاراتهم ودفوفهم، وتعرف كيف توظف إيقاعاتهم لا كزينة خارجية، بل كبُعدٍ روحي عميق. زينت حواشي الألحان بإحساس صوفي شفيف، لكنها احتفظت بالأصل، ووفّت له حقه كاملًا.
وفي آخر أعمالها، من كلمات الشاعر قاسم أبو زيد، أخذتنا في رحلة روحية إلى ديوان حاج الماحي، واصطادت «تمساح الشايقية» من مخياله، لتجعله مستسلمًا بين وجدان المستمعين، في تجربة تؤكد أن نانسي تعرف كيف تُمسك بجمر التراث دون أن تحترق.
الموسيقى التقليدية
نانسي عجاج لم تُجدّد الموسيقى التقليدية بالقطيعة معها، بل بالإنصات العميق لروحها، ثم صقلها بحس جمالي رفيع. كانت تدرك أن اللحن القديم لا يموت، بل ينتظر من يحرّره من التكرار، ويعيده إلى الناس نقيًا، مدهشًا، قادرًا على إرضاء الذائقة العارفة، وإشعال دهشة المستمع لأول مرة.
هكذا صنعت من التراث تحفًا سمعية تُلامَس بخشوع، لا تُستهلك بعجلة.
أجنحة جديدة
هي عملاقة لأنها لم ترفع صوتها فوق التراث، بل رفعت التراث إليها، ومنحته أجنحة جديدة ليحلّق في زمن صعب المراس؛ زمن لا يرحم إلا من يمتلك الصدق والجمال معًا. جعلت الموسيقى فعل كرامة، وحوّلت السمع إلى متعة، والطرب إلى معرفة، والإرث إلى وعدٍ بالمستقبل.
صبر وصدق
عشرون عامًا مرّت، وما زال صوتكِ يشبه الفجر حين يأتي على مهل؛ دافئًا، صادقًا، ومحمّلًا بالوعد.
لم يكن الطريق مفروشًا بالنغم، بل بالحجارة والاختبار. كامرأة وفنانة، واجهتِ ما لا يُقال، واحتملتِ ما لا يُحتمل، لكنكِ اخترتِ الوقوف لا الانكسار، والاستمرار لا الصمت. كنتِ تعرفين أن الصوت الذي يولد من الصدق لا يموت، وأن الأغنية التي تُغنّى بالقلب تجد طريقها مهما طال الليل.
صمود وإيمان
صمدتِ، لا عنادًا فقط، بل إيمانًا بأن الفن موقف، وبأن الغناء شجاعة، وبأن المرأة حين تؤمن بنفسها تصنع معجزة هادئة وعظيمة.
نهنئكِ اليوم، لا بعدد السنين، بل بعمق الأثر، وبالوفاء لصوتكِ، وبالقلب الذي لم يساوم، ولم يلتفت لأصوات الحقد ولا لتجّار الفن الرخيص.
واصلي… فصوتكِ لم يشبع من الحلم بعد، ونحن لم نكتفِ من الإصغاء إليكِ.
وأقول لشانئيها: كما قال سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر».
أنتِ، يا نانسي، فلاتية أفريقيا وأم كلثوم العرب… حقيقة فنية لا تهزّها الضوضاء، ولا يُنقص من وهجها الحسد.

0 التعليقات:
أضف تعليقك