الثلاثاء 03/فبراير/2026
عبد الدافع عثمان .. مرّت الأيام كالخيال… أحلام

في الذكرى السنوية لرحيل كروان الأغنية السودانية

عبد الدافع عثمان .. مرّت الأيام كالخيال… أحلام

 

 

صوت الوجع النظيف وذاكرة الزمن الجميل

كروان غنّى الحنين بصوتٍ لا يشيخ

حين يتحوّل الزمن إلى أغنية خالدة

كيف صنع هوية الأغنية الوجدانية؟

مدرسة فنية صنعت الذائقة السودانية

 

يوافق اليوم الخامس والعشرين من يناير الذكرى السنوية لرحيل الفنان الكبير عبد الدافع عثمان، أحد أعمدة الغناء السوداني في زمنه الجميل، وأحد الأصوات التي شكّلت وجدان المستمع السوداني لعقود طويلة.

عبد الدافع عثمان محمد أحمد فزع، الملقّب بـ«الكروان»، هو أحد روّاد الأغنية السودانية الحديثة، وينتمي إلى المدرسة الوترية الأولى التي ظهرت بعد مرحلة غناء الحقيبة في أربعينيات القرن الماضي، إلى جانب أسماء موسيقية كبيرة مثل إبراهيم الكاشف، وأحمد المصطفى، وعثمان الشفيع.

وُلد عام 1928م في مدينة أم درمان، بحي الموردة، ثم نشأ في العباسية، وسط أسرة عُرفت بالتديّن والثقافة. بدأت موهبته الفنية في سنٍ مبكرة، حيث كان يغنّي في الليالي الاجتماعية والأفراح، قبل أن يكتشفه الفنان إبراهيم عبد الجليل، المعروف بـ«عصفور السودان»، ليبدأ بعدها مسيرته الفنية بخطى واثقة.

استلهم عبد الدافع في بداياته أغنيات الحقيبة السودانية، وقدّم أعمالًا مبكرة مثل أغنية «أضيع أنا»، التي أسهمت في لفت الأنظار إلى خامة صوته المختلفة. ولم يكن لقب «الكروان» مصادفة، بل جاء تعبيرًا عن جودة صوته وعمقه وهدوئه، حتى أصبح اسمه مرتبطًا بهذه الشخصية الفنية الفريدة.

رغم أنه لم يشارك في مهرجانات خارج السودان، فإن شعبيته داخل البلاد كانت كبيرة وراسخة. بدأ تسجيله في الإذاعة السودانية منذ منتصف أربعينيات القرن الماضي، وكان أول أداء له على الهواء في عام 1945 تقريبًا. كما عمل رسميًا في الإذاعة السودانية منذ عام 1961 وحتى تقاعده في عام 1994.

قدّم عبد الدافع عثمان خلال مسيرته الفنية مئات الأغنيات، ويُعدّ معظمها من روائع الغناء السوداني في زمنه. ومن بين أوائل الأغنيات التي أسهمت في انتشار اسمه وشهرته: «أضيع أنا» و«قلبي يزيد عناه». كما حققت أغنية «يا ملاكي» شهرة واسعة، فيما ارتبط اسمه ارتباطًا خاصًا بأغنية «لحن الكروان». وتبقى أغنية «مرّت الأيام» واحدة من أبرز وأخلد أعماله.

تعاون الكروان مع عدد من كبار الشعراء السودانيين، من بينهم الشاعر مبارك المغربي، كما عمل مع ملحنين كبار مثل عربي الصلحي وعلي مكي، وأسهمت هذه الشراكات في تقديم أعمال متكاملة من حيث النص واللحن والأداء.

ويُعدّ عبد الدافع عثمان واحدًا من أساطير الغناء السوداني في القرن العشرين. وقد كُرّم في أكثر من مناسبة، منها احتفالات عيد الإذاعة السودانية، ومنتدى أبناء أم درمان، وأهالي العباسية. كما ظهرت جهود جادّة لتأسيس مركز ثقافي يحمل اسمه، تخليدًا لإرثه الفني الكبير.

توفي عبد الدافع عثمان في الخامس والعشرين من يناير عام 2010، بعد مسيرة فنية طويلة تركت بصمة واضحة في تاريخ الغناء السوداني، وشيّعه الآلاف من محبيه في موكب حزين بمدينة أم درمان.

 

صوت الإحساس العميق

لم يكن عبد الدافع عثمان مجرد صوت جميل، بل كان إحساسًا يمشي على قدمين. صوته هادئ وعميق، لا يتعجّل الوصول إلى القلب، بل يدخله بهدوء ومن غير استئذان. ينتمي إلى مدرسة الغناء الرصين التي تعرف كيف تختار الكلمة، وتقدّمها بأمانة، لذلك عاشت أغنياته، وتجاوزت حدود الزمن.

غنّى عبد الدافع الوجع النظيف، والحنين، والفقد، والرضا الحزين. وكانت أغنية «مرّت الأيام» واحدة من قمم إحساسه، وهي من كلمات الشاعر مبارك المغربي، الذي امتلك قدرة خاصة على رسم المشاعر بالكلمة البسيطة العميقة. لغته مباشرة، لكنها ليست سهلة؛ فيها فلسفة الحياة وتقلباتها، وصدق التجربة، وقدّم في «مرّت الأيام» نصًا مشبعًا بالتأمل والندم والحسرة الهادئة، بلا صراخ.

جاء لحن الأغنية من توقيع الملحن عربي الصلحي، لحنٌ لم يتغوّل على النص، بل خدمه بإخلاص. لحن بطيء، متأمل، متمهّل، يسير مع المعنى خطوة بخطوة، ويترك للمستمع مساحة كاملة ليعيش الحالة.

 

قراءة في نص «مرّت الأيام»

مرّت الأيّام كالخيال أحلام
وانطوت آمال كم رواها غرام

تبدأ الأغنية بإحساس الزمن المنفلت؛ أيام تمرّ كالحلم، لا يمكن الإمساك بها أو إيقافها. أما الآمال، فكانت كبيرة، مشبعة بالحب والغرام، لكنها انطوت، وأُغلقت كما تُغلق صفحة قديمة.

مرّت ومرّ نعيم كان ظنّي فيه يطول
لكنّه مرّ سريع خلّف وراه هموم

حسرة واضحة على نعيمٍ ظنّ صاحبه أنه سيطول، لكنه مضى سريعًا، ولم يكتفِ بالرحيل، بل خلّف وراءه همومًا، ليؤكد أن الفقد ليس حياديًا، بل موجعًا.

آلامًا ما بتزول ما بين أرق ودموع

وجعٌ مزمن لا يمرّ، أرق في الليل، ودموع في الخفاء، توصيف دقيق لحال من يعيش على ذكرى حبٍ راحل.

ما كان جزاي أهيم
سميري يبقى الليل وهواي لِسّه ربيع

سؤال داخلي يحمل عتابًا للقدر: هل هذا جزاء الحب؟ الليل يصبح سميرًا، والوحدة رفيقة، رغم أن الإحساس ما زال حيًا، وما زال «ربيعًا».

ما كان خطر بالبال ألقاك
ويسكرني تعبيرك

لقاء مفاجئ، بلا تخطيط، لكن أثره عميق؛ نظرة أو تعبير كان كافيًا ليسكر الروح ويأخذها بعيدًا.

نتلاقى في إحساس
والحب يهنّينا

ذروة الحلم؛ تلاقٍ روحي قبل أن يكون جسديًا، حب يمنح الإحساس بالهناء والطمأنينة.

الليل يغنّينا
والبدر لينا سمير

صورة شعرية بالغة الجمال؛ الليل نفسه يغني، والقمر يصبح صديقًا، في لحظات يشعر فيها العاشق أن الكون كله متواطئ معه.

ذكراك ما ذكراك غير العذاب ألوان
لو أستطيع أنساك أو أعرف السلوان

الذكرى هنا ليست حنينًا جميلًا، بل عذابًا بألوان متعددة. محاولة النسيان تفشل، وطريق السلوان يبدو بعيدًا.

ما كان ملكني هواك
يا ريت هواك ما كان

قمة الندم: ليت الحب لم يحدث، بعد أن صار جزءًا من الذات.

أنساني لو تنسى
أنا للوداد ذاكر

حتى إن نسي الطرف الآخر، يبقى الوفاء حاضرًا، والتعلق قائمًا، رغم الألم.

طول عمري أتأسّى
من حسرة الحاضر
وأعيش على الماضي

خاتمة موجعة؛ حاضر مليء بالحسرة، وماضٍ يتحول إلى ملاذ، حياة تُعاش على الذكريات، والتعزية بما مضى.

 


0 التعليقات:

أضف تعليقك

آخر الأخبار