امرأة عاشت للفن ورحلت بصمت الكبار
سيرة فنية صنعت الوعي والوجدان وحملت الدراما في قلبها
من المسرح إلى الإذاعة والتلفزيون… حضور راسخ وأداء صادق
في صباحٍ حزينٍ آخر من صباحات السودان المثقلة بالفقد، أسلمت الممثلة السودانية القديرة بلقيس عوض الروح إلى بارئها، يوم أمس الإثنين 11 يناير، بمستشفى دنقلا، بعد صراع طويل مع المرض، لتغيب واحدة من العلامات البارزة في تاريخ الدراما السودانية، ووجه من الوجوه التي شكّلت الوعي الفني والوجداني لجيل كامل من السودانيين.
لم يكن خبر رحيل بلقيس عوض خبرًا عاديًا، فقد جاء محمّلًا بحزنٍ مضاعف؛ حزنٍ على فنانة كبيرة، وحزنٍ على زمنٍ جميل كانت فيه الدراما السودانية تُصنع بالصدق، ويُقدَّم فيه الفن بوصفه رسالة، لا مجرد مهنة أو وسيلة للانتشار.
بيئة محافظة
وُلدت الراحلة بلقيس عوض في الخرطوم عام 1946، ونشأت في بيئة اجتماعية محافظة، في وقتٍ كان الظهور النسائي في مجالات الفن محفوفًا بالكثير من التحفّظات والعقبات.
درست في جامعة القاهرة – فرع الخرطوم، وتكوّنت ثقافيًا وأكاديميًا، قبل أن تخطو خطواتها الأولى في عالم التمثيل، مدفوعة بموهبة فطرية وشغف حقيقي بالفن.
لم يكن دخولها مجال التمثيل بحثًا عن الأضواء أو الشهرة، بل كان خيارًا واعيًا يتطلّب شجاعة كبيرة، في مجتمع لم يكن يتسامح كثيرًا مع هذا النوع من الخيارات، خاصة بالنسبة للمرأة.
كانت خشبة المسرح أول امتحان حقيقي لموهبة بلقيس عوض، وهناك تعلّمت أصول المهنة، واحترام النص، والانضباط الفني.
تقاليد راسخة
شاركت في أعمال مسرحية عديدة خلال فترات التأسيس، وأسهمت مع جيلها في ترسيخ تقاليد المسرح السوداني الحديث.
المسرح منحها القدرة على التحكّم في أدواتها التعبيرية، وجعل أداءها لاحقًا في التلفزيون والإذاعة أكثر عمقًا ونضجًا، وهو ما لاحظه كل من تابع أعمالها.
في إذاعة أم درمان، كان صوتها أحد الأصوات التي سكنت الذاكرة. فقبل أن تصبح الشاشة الصغيرة ضيفًا دائمًا في البيوت، كانت إذاعة أم درمان الرفيق اليومي للسودانيين، وهناك كان صوت بلقيس عوض حاضرًا بقوة، وقدّمت عشرات الأدوار في الدراما الإذاعية، وتميّزت بصوت دافئ وقدرة عالية على نقل المشاعر دون صورة.
عرفها كثير من السودانيين عبر الأثير قبل أن يشاهدوها على الشاشة، وارتبط اسمها في الذاكرة الجمعية بالأداء الصادق، البعيد عن المبالغة، والقريب من نبض الناس.
ومع تطوّر الدراما التلفزيونية السودانية، أصبحت بلقيس عوض واحدة من الوجوه النسائية الثابتة في الأعمال الدرامية، خاصة تلك التي تُعرض في مواسم المشاهدة العالية.
لم تكن من الفنانات الباحثات عن البطولة المطلقة، لكنها كانت دائمًا حاضرة بقوة، تصنع من الدور مساحة مؤثرة مهما كان حجمه.
شاركت في عدد من المسلسلات التي لا تزال عالقة في ذاكرة المشاهد السوداني، من بينها: سكة الخطر، والدهباية، وآخر قطار، وأقمار الضواحي، وفي كل هذه الأعمال جسّدت المرأة السودانية بتناقضاتها الجميلة: القوة والضعف، الصبر والانكسار، الحكمة والبساطة.
موقف اخلاقي
كان الفن عند بلقيس عوض موقفًا أخلاقيًا؛ فقد كانت ترى أن الفن ليس ترفًا، بل أداة للتنوير ومرآة للمجتمع، لذلك جاءت أدوارها منحازة للناس البسطاء، ومعبرة عن قضايا اجتماعية حقيقية، دون ادعاء أو استعراض. هذا الفهم العميق لدور الفن جعلها محل احترام زملائها في الوسط الفني، وسببًا في استمرار محبتها لدى الجمهور، حتى في فترات ابتعادها عن الأضواء.
وخارج دائرة الضوء، كانت امرأة عاملة ومناضلة. فبعيدًا عن الفن، عملت الراحلة في مصلحة الجمارك السودانية، وكانت من أوائل النساء اللاتي التحقن بهذا المجال، واستطاعت أن تجمع بين العمل الحكومي والمسيرة الفنية، في تجربة تؤكد قوة شخصيتها وقدرتها على تحمّل المسؤوليات المتعددة.
هذا الجانب من حياتها يوضّح أن بلقيس عوض لم تكن فنانة فقط، بل امرأة سودانية مكتملة الأدوار، واجهت الحياة بصلابة وصبر.
ومع سنوات المرض، برزت أسئلة مؤلمة. ففي سنواتها الأخيرة، عانت بلقيس عوض من تدهور حالتها الصحية، وتداولت الوسائط أخبار وضعها، ما فتح الباب مجددًا أمام سؤال قديم: كيف نتعامل مع مبدعينا بعد أن يبتعدوا عن دائرة الضوء؟
اهتمام محدود
رحلت بلقيس عوض وهي تحمل في سيرتها تاريخًا طويلًا من العطاء، مقابل اهتمام محدود في سنواتها الأخيرة، وهو واقع مؤلم يتكرر مع كثير من رموز الثقافة والفن في السودان.
برحيل بلقيس عوض، تخسر الدراما السودانية واحدة من أصواتها الصادقة، ويفقد المسرح والتلفزيون والإذاعة فنانة كانت تؤمن بما تقدّمه، وتؤديه بإخلاص، بعيدًا عن الضجيج والادعاء.
رحل الجسد، لكن بقي الأثر، وبقيت الأعمال، وبقيت صورة المرأة السودانية التي جسّدتها بصدق وبلا أقنعة.
وداعًا بلقيس عوض…
وداعًا لمن مثّلت الإنسان قبل الدور…
وداعًا لمن حملت الفن في قلبها لا على لسانها…
وداعًا لزمنٍ جميل كانت فيه الدراما تُصنع بحب.
رحم الله بلقيس عوض،
وأسكنها فسيح جناته،
وألهم أهلها ومحبيها الصبر والسلوان.
إنا لله وإنا إليه راجعون.

0 التعليقات:
أضف تعليقك