الثلاثاء 03/فبراير/2026
مصطفى… الحاضر دون غياب

(حاجة فيك) و(مريم الأخرى) وحكاية تلحين جدول الضرب

مصطفى… الحاضر دون غياب

 

 

يوم السبت الماضي، حلت الذكرى الثلاثون لرحيل فقيد الوطن والفن مصطفى سيد أحمد، له الرحمة والمغفرة والعتق من النار.
ولا يرتبط حضور هذه الذكرى عندي بمرورها السنوي، فمصطفى، أخي الذي لم تلده أمي، حاضر في دواخلي على مدار أيام السنة، حاضر بأغنياته، وبذكرياتنا معًا: تلك الأيام، والنهارات، والأمسيات، وضحكات الفرح، والمواجع، والتفاؤل، وعبور الخيبات الصغيرة، وتبادل الكتب، ودواوين الشعر، والحفلات… إلخ.
كانت لنا أيام وسنوات… وكثير مما لا يُحصى.

حاجة فيك

لا أزال أذكر حين قلت ذات مرة للشاعر هاشم صديق إن قصيدته (حاجة فيك)، التي غناها مصطفى، تعبر بعض أبياتها عنه تمامًا وتنطبق عليه. فرد عليّ متسائلًا:
(كيف؟ ياتو أبيات؟!)

قلت له:
(حاجة فيك تقطع نفس خيل القصائد، وتشده أجراس المعابد).
ومصطفى بالفعل تشده أنفاس القصائد الخيل، لتتنفس داخل ألحانه البديعة، وأدائه المدهش، وصوته الجميل.

والبيت:
(حاجة زي ما تكون محلّق في العواصف، فجأة تهبط في السكون).
فبعد أن تكون محاصرًا في فضاءات هواجسك الخاصة وتقاطعاتها، وتستمع إلى أي أغنية من أغانيه، يعيدك إلى قلب سكونٍ مسكون بالهدوء الوجداني.

أما البيت:
(حاجة فيك لا بتبتدي ولا بتنتهي)،
فهو مصطفى حين ينساب صوته، فلا تعرف من أين يأتي كل هذا الجمال؟ ولا أين كانت بدايته، ولا أين نهايته. يصعب التحديد، ولا خيار غير السماع والاستمتاع.

وأما قوله:
(وأعرف متين أبقى المطر، وأفهم متين أصبح حريق)،
فهكذا كان مصطفى؛ يجعلك، بما يغني وتسمع، واضحًا مع نفسك، متصالحًا معها، تعطي بسخاء مثل المطر، دفاقًا نقيًا يمنح البهجة والارتواء،
ثم يحولك إلى حريق… ذلك الحريق الذي يشتعل بالدفء، فتتنزل عليك نسائم روحية بردًا وسلامًا.

كان هاشم صديق يبتسم وأنا أقول له ذلك، ثم رد قائلًا:
(دي مقارنة وتفسير زول بحب مصطفى… ومصطفى بستحق).

مريم الأخرى

بعد أن أطلعني مصطفى، في ذلك اليوم، على قصيدة (مريم الأخرى)، كنت أسأله: كم سيستغرق هذا النص الصعب من الوقت ليلحنه؟
لكن بعد نحو شهر تقريبًا، أخبرني أن اللحن في مراحله الأخيرة، وبعدها بأسبوع سمعت منه الأغنية مكتملة على العود في صالون منزلنا بالصحافة، فسجلتها على كاسيت، وظللت أستمع إليها يوميًا.

وصادف ذات يوم أن استمع لها معي صديقنا المشترك الفاتح حلفاوي، الذي كان مندهشًا، فقال لي:
(دي لحنها كيف؟ مصطفى ده أسطورة).
فقلت له ضاحكًا:
(مصطفى ده يوم بلحن ليكم جدول الضرب).

ونقل الفاتح حلفاوي ما قلته إلى مصطفى، الذي استقبلني ضاحكًا عندما ذهبت إليه في منزله بالديم، وقال:
(وين ليك يومين غايب؟ هسع أنا بلحن في جدول تلاتة… انتهيت من واحد واتنين).
وضحكنا معًا.

كثيرة هي الذكريات، والمواقف، والحكايات… سأكتبها بين الحين والآخر، بإذن الله تعالى.

 


0 التعليقات:

أضف تعليقك

آخر الأخبار