واقع الدراما الإذاعية فقد بريقه.. والجيل الجديد يعاني من انقطاع الخبرة .. صلاح الدين الفاضل في حواره مع "آكشن سبورت"
وردي إنسان قبل أن يكون فناناً.. و أبو عركي غنى أول مرة في زفافي أطروحتي كانت جديرة بالدكتوراه.. وهاشم صديق منحني أجمل التجارب
لهذا السبب اخترت أبو عركي بدلاً عن محمد الأمين في قطار الهم
لم أكتب استيضاحاً لموظف طوال إدارتي للإذاعة
الهلال سكن وجدان طفولتي.. لكن بلا عصبية
أحمد الله على الابتلاء وأشكر كل من وقف بجانبي
حوار ـ الفاتح عبدالله - آكشن سبورت
فتح البروفيسور صلاح الدين الفاضل – المدير العام السابق للإذاعة السودانية وأحد أبرز المخرجين الذين تركوا بصمة في الدراما الإذاعية – قلبه لـ "آكشن سبورت"، واستعاد في الحوار المطول الذي أجرته معه محطات ثرية من مسيرته الممتدة. تحدّث عن النشأة والدراسة، ورحلته العلمية في مصر التي توّجها بدبلوم عالٍ في النقد الفني، ورأي الراحل الطيب حاج عطية الذي اعتبر أطروحته أقرب لدرجة الدكتوراه. كما عاد بنا إلى ذكريات قطر الهم والتعاون مع هاشم صديق، وكواليس اختياره لأبي عركي البخيت بدلاً من محمد الأمين. وتوقف عند تجربته في إدارة الإذاعة، ورؤيته لتراجع الدراما الإذاعية، وأهمية التواصل بين الأجيال. وفي الجانب الشخصي، تحدث عن أسرته، انتمائه الرياضي للهلال، وعلاقته الخاصة برواد الفن السوداني، قبل أن يختم بشكر كل من سانده في مواجهة الابتلاء الصحي.
* حدثنا عن النشأة والميلاد؟
أنا صلاح الدين الفاضل أرسد عبدالحليم، وُلدت في 29 أبريل عام 1948م. درست في مدرسة أبو روف الأولية، ثم مدرسة بيت المال المتوسطة، ثم المرحلة الثانوية بين المدرسة الأهلية الثانوية وبيت الأمانة.
* وأين كانت المرحلة الجامعية؟
التحقت بجامعة القاهرة – فرع الخرطوم، لكنني درست فيها أقل من عام، بعدها انتقلت إلى المعهد العالي للموسيقى والدراما، كما درست في معهد التدريب الإذاعي بالقاهرة. وفي عام 1979م تخرجت من معهد الدراسات الإضافية بعد أن حصلت على دبلوم في تعليم الكبار. كان مدير المعهد حينها الدكتور سيد أحمد نقد الله، ودرّسني الراحلان الطيب حاج عطية وأحمد الزين صغيرون، بجانب الأساتذة قمر الدين علي قرمبع وعبدالواحد عبد الله وعبدالرحمن عبد الباسط.
* بصفتك من المخرجين الذين ارتبطت دراستهم بمصر، حدثنا عن تلك المرحلة؟
سافرت إلى مصر وتوليت في تلك الفترة رئاسة الفريق الإعلامي بالقاهرة. تم قبولي في أكاديمية الفنون هناك، ودرست لعامين مواد النقد والموسيقى والباليه والتلفزيون والسينما والدراما. في ختامها نلت الدبلوم العالي في النقد الفني، وكان وقتها عميد المعهد الدكتور نبيل راغب.
* ماذا عن رسالة الماجستير ورأي الدكتور الطيب حاج عطية فيها؟
حين تقدمت لنيل درجة الماجستير في الإخراج بجامعة السودان، اقترحت كلية الآداب بجامعة الخرطوم أن أقدّم للماجستير بإشراف الدكتور الطيب حاج عطية. وبالفعل، كانت الرسالة مشتركة بين جامعتي الخرطوم ووادي النيل، لأن لوائح الخرطوم حينها لم تكن تسمح بالجمع. وعندما اطّلع الراحل الطيب حاج عطية على مسودة الرسالة، أرسل خطاباً للجامعتين قال فيه إنه يرى أن تُرفع إلى درجة الدكتوراه لأنها أعلى مستوى من الماجستير.
* من الذي قادك إلى عالم الإذاعة، هل كان شغفاً مبكراً أم جاء الأمر صدفة؟
في مرحلة ما كنت مع شقيقي الفاتح الفاضل نحرص على الاستماع عبر الراديو لبرنامج" سكوتلاند يارد" الذي كانت تبثه إذاعة البي بي سي بالعربية. كان يخرجه عدد من المخرجين العرب، ومن بينهم الروائي السوداني العالمي الراحل الطيب صالح. أكثر ما كان يلفتني عبارة: "إخراج فلان الفلاني"، ومن هنا بدأ حب الإخراج في نفسي. ومن الطريف أن مسلسلات أجاثا كريستي كانت تخيفني ليلاً!
* وكيف كانت البداية داخل الإذاعة السودانية في أم درمان؟
بدأت عملي في الإذاعة القومية عام 1968م مع الأستاذ محمد طاهر كمساعد مخرج في عدد من الأعمال الدرامية، ثم عملت مع الأستاذ حمدي بولاد في قسم المنوعات، ومع الراحل أحمد قباني في بعض الأعمال الدرامية. وقد عُينت وقتها في قسم البرامج.
* كيف تصف مسيرتك كمخرج إذاعي ودرامي؟ وما أبرز المحطات والأعمال التي تركت بصمة في تجربتك؟
كنت صادقاً مع نفسي ووهبتها لهذا العلم، ومصر ساعدتني كثيراً من خلال دراستي بمعهد الإذاعة أثناء فترة الأستاذ يوسف الحطاب. هناك تعلمت من تجربة برنامج عن الأدباء العرب بطولة الفنان عبدالمنعم إبراهيم، وكان يساعده فيه كثير من الطلاب.
* ماذا عن ثنائيتك مع الراحل هاشم صديق؟
كانت تجربتي معه من أروع ما قدمت في الدراما الإذاعية. أول عمل جمعني به كان مسلسل قطر الهم. الغريب أنني أخرجت المسلسل، لكن لم يُكتب اسمي على الشعار، لأنني في ذات الفترة أخرجت مسلسل قلوب من خشب لتاج السر عطية، وكان من أبطاله الممثل المصري الراحل محمود ياسين. وبعد اكتمال قطر الهم أخبرني الراحل محمد خوجلي صالحين أن المسلسل سيُعرض دون اسمي.
* كيف كانت مشاركة الفنان أبو عركي البخيت في قطر الهم؟
حين استلمت نص المسلسل كان مكتوباً أن يغني الفنان محمد الأمين، لكنني رأيت أن صوته الشهير سيجعل المستمع ينصرف عن الدراما. لذلك استبدلته في اللحظة الأخيرة بالفنان أبو عركي البخيت، ونجح المسلسل نجاحاً باهراً. بعدها أخرجت خمسة مسلسلات إذاعية أخرى لهاشم صديق.
* وماذا عن باقي الأعمال التي أخرجتها؟
أخرجت مسلسل الحب الحديث للكاتب الجزائري عبد الحي الكردودي، ومسلسل خطوبة سهير لحمدنا عبدالقادر. ومع تاج السر عطية نفذت أربعة مسلسلات، وكذلك مع صلاح حسن أحمد.
* كيف ترى الدراما الإذاعية قديماً وحديثاً؟
في عهد الراحل محمد خوجلي صالحين وبداية السبعينات، كان المستمعون يلتفون حول دراما الراديو بفضل تشجيعه المباشر. وفي التسعينات قُدمت أعمال درامية محترمة بمستوى رفيع. لكن للأسف، في السنوات الأخيرة تراجعت الدراما الإذاعية وفقدت بريقها.
* بحكم خلفيتك الأكاديمية، هل يمكن أن تحقق نظرية "فن الرؤية عبر الأذن" داخل بيئة العمل الإذاعي؟
نعم، هذه النظرية في الأساس كانت بحثاً لعدد من المواد بالأكاديمية المصرية، وطُلب مني تقديم دراسة نقدية عن الدراما الإذاعية. أثبتت التجربة أن المستمع السوداني لماح وذكي، يتفاعل مع "الصورة السمعية"، بل ويرسل انتقاداته مباشرة لإدارة الدراما.
* ما الدور الحقيقي الذي لعبته الإذاعة في تشكيل الوجدان الجمعي؟
الرسالة الإذاعية في الأساس تشكيل وجداني للجماهير، وتلبية ما يطلبه المتلقي. مثال على ذلك برنامج مجلة الدراما الذي كان يقدمه الأستاذ خالد المبارك وأخرجه شخصي.
* كمدير سابق للإذاعة، ما أبرز التحديات التي واجهتها؟
طوال عملي، من مدير قسم الدراما حتى منصب مدير الهيئة القومية للإذاعة، لم أعقد مجلس تحقيق أو أكتب استيضاحاً لأي موظف. كنت أتعامل مع الجميع كفنانين، وهذا جعل العلاقات أكثر قرباً.
* ما أبرز البرامج التي استمرت طويلاً عبر أثير أم درمان؟
كثير من البرامج كنت صاحب فكرتها. من بينها برامج الصباح التي ابتكرها الراحل محمود أبو العزائم، وكانت بمثابة جولة شاملة في المجتمع الثقافي والفني والرياضي. وقد نجحت واستمرت بفضل جهود الأستاذة نائلة ميرغني العمرابي.
* كيف تصف علاقتك بالراحلة ليلى المغربي؟
كانت تلميذتي. هناك من يعتقد أنني كنت مجرد مخرج لبرامجها، لكن الحقيقة أن 90% من تلك البرامج كانت من إعدادي. ليلى كانت تحتفظ بأوراق خاصة تتضمن القصائد والنصوص، وكنا متأثرين معاً بجيل الرواد مثل عبد الهادي الصديق، محمد عبد الحي، وصلاح أحمد إبراهيم.
* ماذا يمثل لك الراحل محمد خوجلي صالحين؟
شخصية نادرة. كان يقول دائماً: "أنا أعرف الفنان من أنفه". أول ما رآني قال لي: "أنت فنان ويجب أن تدرس الإخراج". وكان يحترم المخلصين لعملهم ويقف معهم.
* لو لم تكن مخرجاً إذاعياً، ما المسار المهني الذي كنت ستسلكه؟
لكنت مخرجاً مسرحياً.
* هل كان انتماؤك الرياضي، خاصة للهلال، حاضراً في حياتك المهنية؟
نعم، كنت أذهب من منزلنا في حي الهجرة بأم درمان إلى استاد الهلال لمتابعة التمارين والمباريات. كنت أشجع الهلال فعلاً، لكن بلا عصبية.
* حدثنا عن أسرتك الصغيرة وسط أجواء العمل؟
الحمد لله رزقني الله بأسرة هادئة. زوجتي الأستاذة نائلة ميرغني العمرابي حملت العبء الأكبر حين كنت مشغولاً بالعمل وأسافر كثيراً. جميع أبنائي أطلقت عليهم اسم محمد: محمد المصطفى، محمد المرتجى، محمد المرتضى، ومحمد المجتبي.
* ما الأغنية التي غناها أبو عركي البخيت في زفافك؟
غنى لأول مرة أغنية غنوا معانا غنوة العيد والفرح.
* ماذا يمثل لك الفنان محمد وردي؟
وردي إنسان قبل أن يكون فناناً. في القاهرة طلبت من مجموعة من الفنانين تسجيل برنامج فصول في حياة فنان فرفضوا جميعاً، إلا وردي الذي وافق. وبعد بث حلقاته، عاد البقية يطلبون التسجيل بدافع الغيرة!
* نعلم أنك تواجه تحدياً صحياً وتخضع لعمليات الغسيل الكلوي، كيف تعاملت مع ذلك؟
أحمد الله على هذا الابتلاء، وأشكر كل من وقف إلى جانبي في هذه المحنة.

0 التعليقات:
أضف تعليقك