صرع المريخ بهدفين في كاس الذهب وكسب التحدي مع نميري
كوزموس الأمريكي.. تجربة قصيرة بطموح كبير
الرأس الذهبية.. أناقة الأداء وذكاء الملعب
من الهلال إلى المريخ.. حكاية انتقال لم تكتمل
في سجل الهلال، ذلك الكيان الذي ارتبط بالحركة الوطنية قبل أن يرتبط بالمنافسة الكروية، تظل أسماء بعينها عصيّة على النسيان، لأنها لم تكن مجرد لاعبين مرّوا عبر العشب، بل علامات فارقة في الوجدان الجمعي. ومن بين هذه الأسماء يبرز الكابتن عزالدين عثمان أحمد سليمان (الدحيش)، أحد أعذب من لمسوا الكرة وأصدقهم انتماءً للهلال.
هذه السيرة ليست مجرد استعادة لمسيرة لاعب، بل توثيق لمرحلة كاملة من تاريخ الكرة السودانية، حيث كان اللاعب قائداً داخل الملعب، ومدافعاً عن حقوق زملائه خارجه، ورمزاً للأخلاق والوفاء. في هذه الحلقة من أرشيف الهلال، يفتح الباحث عبدالمنعم عثمان (ديم الكبير) نافذة واسعة على مسيرة الدحيش، منذ نشأته في بيت المال، وحتى اعتزاله، مروراً بالمحطات المفصلية التي صنعت منه أسطورة زرقاء خالدة.
الميلاد والنشأة
وُلد الكابتن الدحيش عام 1948م في أم درمان – حي بيت المال، ذلك الحي العريق الذي أنجب قامات وطنية ورياضية كبيرة. كل من شاهده في صغره أدرك مبكراً أن لهذا الفتى شأناً عظيماً مع كرة القدم، فقد كان يمتلك موهبة فطرية، وحضوراً لافتاً، وذكاءً كروياً نادراً.
بدأ امشواره الكروي لاعباً في فريق حي القلعة، ثم تنقل بين فرق أم درمان القديمة، قبل أن يلعب في أشبال المريخ، بحكم أن المريخ كان أول نادٍ يؤسس فريق أشبال في ذلك الوقت.
وكان فريق أشبال المريخ قد كوّنه كل من الراحلين العم شاخور ومنصور رمضان.
وعند تكوين فريق أشبال الهلال، انضم إليه الدحيش مباشرة، وهو هلالابي بالميلاد والانتماء، ثم لعب لاحقاً في فريق الشاطئ أم درمان، الذي كان محطة مهمة في مسيرته قبل الانتقال الكبير.
الانتقال إلى الهلال
في عام 1966م انتقل الكابتن عزالدين الدحيش إلى نادي الهلال، رغم وجود مفاوضات جادة من ناديي المريخ والموردة.
غير أن الإداري والقطب الهلالي الكبير الراحل بابكر النور – أحد أبناء بيت المال – لعب دوراً حاسماً في تسجيله للهلال، وهو الرجل الذي سنفرد له مقالاً خاصاً لاحقاً لما له من إسهامات عظيمة.
خاض الدحيش أول مباراة رسمية له مع الهلال أمام فريق النيل. بدأ اللقاء احتياطياً، قبل أن يتم الدفع به في الشوط الثاني، ومنذ تلك اللحظة تألق بشكل لافت، ولم يغادر تشكيلة الهلال الأساسية بعدها.
كان يلعب في وسط الميدان، ويمتلك قدرة عالية على التحكم في الكرة، حتى وُصف بأنه
Ball Controllerيسيطر على الكرة وكأنه يلعب بيديه.
حقوق زملائه
في فترة كان يرأس فيها النادي الأستاذ الطيب عبدالله، ويشغل منصب مدير الكرة الراحل عثمان الديم، كان الدحيش كابتن الفريق.
وبحكم مسؤوليته القيادية، دافع بشجاعة عن حقوق لاعبي الهلال، وطالب الإدارة بالوفاء بالمستحقات المالية المتأخرة.
عُقد اجتماع رسمي مع الإدارة بحضوره كقائد للفريق، لكنه لم يجد استجابة. وفي إحدى المباريات الودية أمام فريق تونسي زائر، كان كثير التوجيه والتحفيز لزملائه داخل الملعب، ما فُسر خطأً من الإدارة، لتصدر قراراً بإنهاء خدماته مع الهلال.
والحقيقة – للتاريخ – أن هذا القرار كان ظلماً بيّناً في حق لاعب شهم، معروف بحبه لخدمة زملائه والوقوف معهم لنيل حقوقهم، وقد دفع ثمن وشاية من أحد اللاعبين نقل معلومات غير صحيحة للإدارة.
مواقف إنسانية
من أصدق الشهادات على معدن هذا الرجل، موقفه في عزاء الراحل الكابتن عثمان الديم. فقد ظل الكابتن الدحيش ثلاثة أيام كاملة يقدم الماء والشاي للمعزين، وعندما قيل له إن الأبناء يمكنهم القيام بذلك، كان يرد قائلاً: "ده أبونا"
وهو ذات السلوك النبيل الذي جسّده أيضاً الراحل الكابتن زغبير، في صورة تختصر أخلاق جيل الهلال الحقيقي.
الوفاء ينتصر
بعد شطبه من الهلال، كانت له علاقة صداقة مع زين العابدين محمد أحمد عبدالقادر، وزير الرياضة آنذاك، ورئيس الهلال بعد عودة الرياضة الجماهيرية الذي عرض عليه الانتقال إلى المريخ مقابل حل مشكلته.
كما جرت مفاوضات معه عبر أبوالقاسم محمد إبراهيم عضو مجلس قيادة ثورة مايو المعروف بانتمائه للمريخ ، الذي أقسم له أن يلعب للمريخ.
تم تسجيله بالفعل في كشوفات المريخ، وأُقيم له مهرجان ضخم امتلأ فيه الاستاد عن آخره، بحضور جماهير الهلال التي كانت في صدمة كبيرة لانتقال نجمها المحبوب.
لكن هلالية الدحيش الخالصة جعلته يعود سريعاً إلى بيته الأول. عاد إلى جمهور الهلال، وذهب بنفسه إلى أبوالقاسم محمد إبراهيم طالباً شطبه، وأقسم له ألا يلعب للمريخ، فتم شطبه دون أن يخوض أي مباراة رسمية بقميص المريخ.
الاحتراف الخارجي
قرر الدحيش السفر إلى الخارج ، فاحترف في نادي كوزموس الأمريكي عام 1976م لمدة عام.
عاد بعدها إلى السودان، وانتظم مجدداً في صفوف الهلال، قبل أن يقرر الاعتزال.
بطل كأس الذهب
كان الكابتن الدحيش أحد أبطال كأس الذهب الأولى عام 1974م أمام المريخ، حيث أحرز هدفين، وكان نجم المباراة بلا منازع وهي الكأس المقدمة من الرئيس السابق جعفر نميري.
وكان الدحيش قد تحدى الرئيس جعفر نميري – المعروف بمريخيته – وكسب التحدي باحرازه هدفي المباراة.
وفي المقصورة، قام الرئيس نميري بتسليمه ساعة ذهبية ثمينة، إلى جانب كأس ذهب صُنع في لندن إعجاباً بأدائه.
تكرر الحدث في كأس الذهب الثانية، حيث أحرز الهلال الكأس مجدداً، وسجل أهدافه كل من علي قاقارين والدحيش، في مباراة لم يحضرها الرئيس، وسلم الكأس النائب الأول لرئيس الجمهورية.
المنتخب والمجد القاري
شارك الدحيش مع المنتخب السوداني في أول مباراة دولية له عام 1968م أمام إثيوبيا.
وكان ضمن الجيل الذهبي الذي أحرز كأس الأمم الأفريقية 1970م، تحت قيادة المدرب الوطني عبدالفتاح حمد، بعد معسكر وادي سيدنا.
نال اللاعبون تكريماً رئاسياً بمنح كل لاعب قطعة أرض تقديراً لإنجازهم التاريخي.
سيرة ذاتية مختصرة
عزالدين عثمان
اللقب: الدحيش
- بدأ حياته في مركز الدفاع
- تحول الى اللعب ديب سنتر فوروارد
- ثم إنسايد شمال
نال لقب أفضل لاعب في دورة الشباب الأفريقية بتنزانيا، ودخل ضمن منتخب أفريقيا عام 1970م.
كان يُتميز بـ:
- الضربات الرأسية المتقنة
- التسديد بالقدمين
- الضربات الحرة القاتلة
- الذكاء التكتيكي العالي

0 التعليقات:
أضف تعليقك