الثلاثاء 03/فبراير/2026
صلاح الدين الفاضل… عبقري الدراما الإذاعية

رحيل صاحب نظرية «فن الرؤية عبر الأذن»

صلاح الدين الفاضل… عبقري الدراما الإذاعية



صلاح الدين الفاضل كنزٌ إذاعي فريد وأستاذ جامعي
أحد أبرز أعمدة العمل الإذاعي في السودان

 

فُجع الوسط الإعلامي والإذاعي يوم الجمعة الماضية برحيل أحد رواد العمل الإذاعي، ممن تركوا بصمة واضحة في تطوير الأداء داخل الإذاعة السودانية. ولم يكن البروفيسور صلاح الدين الفاضل مجرد مخرجٍ منفّذٍ للنص، بل كان مخرجًا خلاقًا يبتكر الأفكار التي أهدت المستمع أجمل البرامج الإذاعية عبر أثير «هنا أم درمان».

ارتبط اسم صلاح الدين الفاضل بذاكرة المستمع السوداني من خلال أعرق المسلسلات الإذاعية التي بثتها الإذاعة خلال حقبة السبعينيات، وهي الفترة التي شهدت باقات درامية في قمة الروعة والجمال، وبلغت فيها الدراما الإذاعية ذروة توهّجها، حينما كان صلاح الدين الفاضل يقف خلف البلاتوه ممسكًا بأجهزة الصوت داخل استديوهات الإذاعة. وقد أثرى الساحة خلال مسيرته بإخراج عدد كبير من المسلسلات التي ما زالت عالقة في وجدان المستمع السوداني، وكأنها تُسمع للمرة الأولى.

النشأة والميلاد

وُلد صلاح الدين الفاضل أرسد في نهاية شهر أبريل عام 1949م بحي العمدة الأمدرماني الشهير. تلقى تعليمه بمدرسة أبو روف الأولية، ثم مدرسة بيت المال المتوسطة، ثم المرحلة الثانوية بين المدرسة الأهلية الثانوية وبيت الأمانة. ونال درجة الدبلوم من المعهد العالي للموسيقى والدراما، متخصصًا في الإخراج الإذاعي.

عمل بالإذاعة في قسم الإخراج مساعدَ مخرج، وكان له دور كبير في تكوين قسم الدراما بالإذاعة السودانية. ومن هنا برزت موهبته العالية واحترافيته في إخراج الدراما والمسلسلات الإذاعية، من خلال قدرته على توظيف الصوت والمؤثرات السمعية في تشكيل مشهد درامي يجعل المتلقي يعيش تفاصيل العمل بكل حواسه ومشاعره.

صالحين… أستاذه وملهمه

عندما التحق صلاح الدين الفاضل بمباني الإذاعة للعمل، وجّهه الراحل محمد خوجلي صالحين لدراسة الإخراج بدلًا عن الفنون الجميلة، إذ كان يرى أن صلاح سيصبح فنانًا له شأن كبير في مجال الإخراج الإذاعي. وطوال فترة عمله بالإذاعة، استفاد صلاح من توجيهات صالحين، وكان يقول دائمًا إن الراحل محمد خوجلي صالحين هو أستاذه ومعلمه.

المخرج الخلّاق

كان صلاح الدين الفاضل معتزًا بمهنته كمخرج داخل حوش الإذاعة، إذ أمضى قرابة نصف قرن داخل استديوهات «هنا أم درمان»، وقضى شبابه بين جدرانها. ويصفه العاملون في مجال الإخراج الإذاعي بالمخرج الخلّاق، لقدرته على التدخل في النص المكتوب وإجراء التعديلات التي تضيف للعمل الدرامي تماسكًا، وتجعل الحبكة الدرامية أكثر تسلسلًا، بما يخدم مضمون النص والعمل الدرامي.

لونية جديدة

برز اسم صلاح الدين الفاضل من خلال الأعمال الدرامية التي كتبها الأستاذ الراحل هاشم صديق، مثل: الحراز، والمطر، وقطر الهم. فقد جاء هاشم بلونية جديدة في الكتابة للدراما الإذاعية، وكانت موضوعاته الاجتماعية تحتاج إلى مخرج يمتلك فكرًا خلاقًا وقدرة عالية على استيعاب النص.

كما تألق في إخراجه لمسلسل خطوبة سهير، الذي كتبه الراحل حمدنا الله عبد القادر. ومن خلال هذه الأعمال، برزت عبقرية صلاح الدين الفاضل الإخراجية، وظهرت أساليب جديدة جعلت المتلقي أكثر تشوقًا وحرصًا على الاستماع. وكان من أشد المخرجين حرصًا على تقديم أعمال تحترم عقلية المستمع.

رصيد ضخم

لم يكتفِ صلاح الدين الفاضل خلال مسيرته العملية بإخراج أكثر من مائتي مسلسل إذاعي، بل وقف خلف إخراج نحو 140 برنامجًا للإذاعة السودانية. كما شهدت برامج المنوعات والبرامج الخاصة تطورًا كبيرًا من حيث المحتوى والشكل والإبداع الإخراجي، وترك للذاكرة السودانية كنزًا ثقافيًا ضخمًا ظل محفورًا في الوجدان السوداني.

«فن الرؤية عبر الأذن»

لم يكن صلاح الدين الفاضل من المخرجين الذين يركنون إلى الأسلوب التقليدي، بل كان دائم السعي إلى إنتاج أفكار جديدة تترك بصمة واضحة لدى المتلقي. وكان له دور كبير في استيعاب أهل الثقافة والفن والأدباء من أجل تطوير العمل الإذاعي، وأسهم في إخراج عدد كبير من البرامج الإذاعية الثقافية التي استمرت لفترات طويلة عبر أثير «هنا أم درمان».

وعندما التحق بأكاديمية الفنون بجمهورية مصر العربية لنيل الدبلوم العالي في النقد الفني، برزت موهبته الخارقة في الإخراج الإذاعي من خلال المساق الأكاديمي، وأسّس نظريته المعروفة بـ«فن الرؤية عبر الأذن»، والتي تقوم على جعل المتلقي يشاهد العمل الإذاعي بأذنيه وكأنه يراه على الشاشة، من خلال التوظيف الكامل لأدوات العمل الإذاعي.

تطوير الإذاعات الولائية

كان للبروفيسور صلاح الدين الفاضل دور كبير في إنشاء وتطوير الإذاعات الولائية في السودان، انطلاقًا من حرصه على وحدة الوجدان السوداني، وإيمانه بأن الاستماع إلى الإذاعة حق لكل الشعب السوداني. وكان يتابع بدقة كل ما يُبث من رسائل إعلامية عبر تلك الإذاعات.

الرحيل المر

برحيل البروفيسور صلاح الدين الفاضل، تنطوي صفحة مضيئة ومليئة بالحب والعطاء للسودان. فقد ظل طوال حياته يعمل من أجل الوطن وشعبه، وحظي بمحبة جميع شرائح المجتمع السوداني من سياسيين وفنانين وممثلين، ومن المجتمع الأمدرماني على وجه الخصوص. وكان نقطة التقاء لكثير من أبناء السودان، وكرّس حياته لرفع شأنه في المحافل الإقليمية والدولية في مجال العمل الإذاعي.

وبعد تقاعده من منصب مدير الإذاعة السودانية، عمل أستاذًا بعدد من الجامعات السودانية، أبرزها جامعة الخرطوم، وجامعة السودان، وجامعة أم درمان الأهلية، كما أشرف على رسائل الماجستير والدكتوراه.


0 التعليقات:

أضف تعليقك

آخر الأخبار