شدّاد في ميدان عقرب… زيارة غيّرت مسار موهبة استثنائية
طه دفع 80 ألفاً… وعبدالمجيد 120 … وحافز التسجيل 150
جلسة شاي في منزل عبدالمنعم مالك… حسمت انتقال اللاعب للهلال
عبدالصمد اغرى الوالدة بـ 20 الفا… ومحاولات أبراهومة وخالد لم تُثمر
الوالدة المريخابية تُبارك الصفقة الزرقاء… والهلال يردّ الجميل برحلة عمرة
ليست كل حكايات انتقالات اللاعبين مجرّد صفقات تنتهي في مكاتب الاتحادات. بعضها يولد في الأزقة والبيوت، ويتشكّل على وقع علاقات اجتماعية، وانفعالات أسرية، وولاءات كروية تحمل حرارة الانتماء أكثر مما تحمل حسابات المال. قصة تسجيل اللاعب عثمان علي عثمان—الذي عرفته المدرجات باسم عصام علي الريح—للهلال، ليست مجرّد واقعة رياضية، بل واحدة من أكثر القصص ثراءً في تاريخ الانتقالات السودانية.
هي حكاية تبدأ بخطأ في الاسم، وتمتد عبر ميادين شعبية، وتنفتح على منافسة ضارية بين الهلال والمريخ، يدخل فيها السماسرة، والإداريون، وجيران الحلة، وحتى “الوالدة” المريخابية التي قاومت ثم باركت، ثم طارت إلى العمرة بفضل “هلالاب الحِلّة”. قصة تبدأ من ميدان عقرب، وتنتقل إلى مصنع حجار، وتدور وسط حقائب المال المفتوحة، وتصل إلى جلسات الشاي، ووعود التعيين في البنوك، وتنتهي بتسجيل اللاعب ضمن واحدة من أكثر عمليات الانتقال المثيرة في تاريخ الكرة السودانية.
هذه ليست صفقة… إنها حكاية شعبية كاملة رواها الإعلامي الكبير علي الريح بكل ما فيها من شغف، وذاكرة، وتفاصيل حاضرة لا تزال تنبض بالحياة.
اسمٌ تشكّل صدفةً… وصار علامة
يبدأ الإعلامي الكبير علي الريح حكايته من تفاصيل صغيرة كانت كفيلة بصناعة اسم رياضي ظل ملازماً لصاحبه حتى اليوم. فاللاعب الذي عرفته الجماهير باسم عصام علي الريح لم يكن يحمل هذا الاسم في سجلاته الرسمية. اسمه الحقيقي هو: عثمان علي عثمان.
يقول علي الريح إنّ السبب يعود لعادات راسخة في المجتمع السوداني، فالزوجة لا تذكر اسم “نسيبها”، وكان “عثمان” اسم النسيب، بينما “علي” اسم والده. ولتفادي ذكر الاسم، لجأت والدته إلى اسم “عصام”، ليتحوّل الاسم تدريجياً إلى لقب رسمي ظل يرافق اللاعب طوال مسيرته.
ومن هنا بدأ المشوار، حين سجله علي الريح مع عبد المنعم مالك رئيس تحرير جريدة الهلال السابق، في ناشئي فريق الثريا بحلّة حمد… قبل أن ينتقل إلى فريق الحلة ويظهر كمواهب لامعة في سن مبكرة.
ميدان عقرب… وشدّاد
يحكي علي الريح أنّ موهبة “عثمان” كانت خارقة مقارنة بأقرانه. يقول:
“كان لعّاب… موهبة ظاهرة لا تخطئها العين.”
في تلك الفترة كان المنتخب القومي يتدرّب في جامعة الخرطوم. لم يقع الاختيار على عثمان أو على اللاعب “كومي”، ما دفع علي الريح للتوجه إلى الدكتور كمال شداد قائلاً له:
“لدينا لاعبان ممتازان… عثمان علي عثمان في الثريا، وكومي في الصبابي.”
فرد شداد:
“كدي نجي نشوفهم.”
ذهب شداد إلى ميدان عقرب، وشاهد اللاعبين… وعلى الفور اقتنع بهما وضمّهما لمنتخب الناشئين. ومنذ تلك اللحظة بدأ الاسم ينتشر:
“الولد الجابو علي الريح… ده ود علي الريح.”
حتى جواز سفر اللاعب، في البطولة الدولية بإيطاليا برفقة منتخب “ماسا” 1992، صدر باسم عصام علي الريح، وترسّخ الاسم في الذاكرة.
تأكيد الشائعة
يتذكّر علي الريح أول مباراة لعبها عثمان بقميص الهلال، وكانت أمام المريخ ومنقولة على الهواء. أصيب اللاعب خلالها، فظهر صوت الراحل سيف قائلاً:
“طبعاً ده ولد زميلنا علي الريح.”
كانت هذه الجملة كافية لتثبيت الأمر في أذهان الجمهور… ومن هنا بدأت الأسطورة.
بدء المعركة الحقيقية
يواصل علي الريح الحديث ويقول : حين بدأت موهبة اللاعب تلمع، تحرك الهلال سريعاً. جاء طه علي البشير إلى ميدان عقرب لمشاهدة اللاعب. بعد دقائق من المتابعة، اتصل بي:
“جيب لينا الولد المصنع.”
في مصنع حجار، جلس عثمان أمام طه علي البشير وبدأ الحديث:
طه: “إنت هلالابي ولا مريخابي؟”
عثمان: “أنا هلالابي.”
طه: “عندك أي شروط للتسجيل؟”
اللاعب: “بس لما أنجح في الشهادة داير تعينوني في بنك.”
فضحك طه:
“طلب بسيط… انجح ونحن بنودّيك أي بنك.”
ثم فتح الخزنة وأخرج 80 ألف جنيه—كان مبلغاً ضخماً—وقال للاعب:
“أمشي اشتري ليك تور واضبحو… كرامة دخولك الهلال.”
جلسة الشاي… وحافز عبد المجيد منصور
بعد يومين، عُقدت جلسة في منزل الأستاذ عبد المنعم مالك، سكرتير الصبابي، حضرها عبد المجيد منصور، الذي بارك الخطوة وأضاف 120 ألف جنيه حافزاً للاعب.
أصبح مجموع ما استلمه عثمان من الهلال قبل التسجيل الرسمي 200 ألف جنيه.
محاولات المريخ… وتأثير الأم
لم يكن الطريق معبّداً للهلال وحده، فالمريخ دخل السباق بقوة.
حين عاد المنتخب من إيطاليا، زاره في المنزل كلّ من:
إبراهومة، وخالد أحمد المصطفى، وضغطا من أجل أن ينتقل للمريخ.
العقبة الأكبر كانت والدته… مريخابية حتى النخاع.
وجاءها الإداري المعروف عبد الصمد محمد عثمان، وأهداها 20 ألف جنيه.
لكنني وبحكم الجيرة تدخلت وقلت لها:
“الولد استلم 200 ألف من الهلال.”
فردّت الأم:
“لكن في راجل قصير…" بخت عمتو في كتفو"… أداني 20 ألف.”
فعرفت أنه عبد الصمد.
أعدت المبلغ إليه، وقلت له بوضوح:
“الموضوع انتهى… الولد حيسجل في الهلال.”
يوم التسجيل… ومفاجأة الـ150 ألف
اصطحب الهلال اللاعب إلى الاتحاد لتكملة الإجراءات.
كومي استلم 200 ألف، بينما حصل عثمان على 150 ألف فاحتج عصام:
“ليه كومي 200 وأنا 150؟”
فقلت له:
“انت قابض 200 من طه وعبد المجيد… وده حافز جديد.”
فضحك الجميع، وتم التوقيع.
وعد العمرة… وحسم القصة
عرف الهلال أن المريخ منح والدة اللاعب 20 ألف جنيه، فذهب إليها وفد رسمي بقيادة:
الطيب عبد الله، عبد المجيد منصور، والجعلي، وفاروق نور الدين.
قالوا لها:
“ابنك غالٍ على الهلال… ولو اتسجل معنا، بنوديك عمرة.”
فأجهشت بالبكاء، وقالت:
“من الليلة… ما عندي مانع.”
وبالفعل، بعد اكتمال إجراءات التسجيل… أوفى الهلال بوعده وذهبت الوالدة لأداء العمرة.
تور الكرامة
هكذا اكتملت واحدة من أكثر عمليات التسجيل إثارة في تاريخ الكرة السودانية.
قصة تشبه السودان بكل تفاصيله:
البيوت، الحِلّة، الجيران، الإداريون، المنافسة بين القطبين، الجلسات الشعبية، الأموال، الوعود، المشاعر، الولاءات… و”تور الكرامة” الذي ذُبح ابتهاجاً بانضمام لاعب موهوب إلى الهلال.
إنها ليست قصة رياضية فحسب، بل قطعة من الذاكرة الشعبية… انتقلت عبر السنين كما لو كانت إحدى حكايات التراث الرياضي السوداني.

0 التعليقات:
أضف تعليقك