الجمعة 06/فبراير/2026
بقايا من عقد العمر

 

 

قال لي الرجل، وهو يؤانسني وفي قلبه حسرة:
مضت السنين يا صديقي، تأكل في جوفها الأيام.
كانت الأيام حلوة صافية، وكانت أحلى أيام الصبا أشقاها؛
عنادها كان مُرًّا في ضحاها، وحلوًا في مساءاتها.
لم أهن يومًا ولم ألن،
بل شددت سواعد الجد، وسرت إلى العُلا بخطى ثابتة،
كانت همّتي همّة الرجال.

تجدني دائمًا أنظر إلى الأعلى.
لم أشتكِ يومًا من عملي، بل أخلصت فيه وله،
حتى أصبح لي عطاءٌ يرضي طموحي،
وبنيت لنفسي عزًّا ومجدًا
تمدّد على كل جنبات حياتي.

السعادة تسري في أسرتي مع نجاحاتي،
وأصبح العلم نهجًا ومبتغى لكل أبنائي وبناتي.
سرتُ بهم ومعهم في طريق النجاح،
وتكررت حفلات التخرّج:
أطباء، مهندسون،
وفي مختلف علوم الدراسة.

تنهد الرجل قليلًا، ثم استرسل في حديثه:
البنت هبة من الله، ومفتاح من مفاتيح الجنة.
ابنتي الكبرى، وفلذة كبدي،
في ليلة عرسها فقدت حبّة من عقدي المنظوم بالحب والحنان.
تدفقت مشاعري، وفاضت دموعي،
ومضت سنة الحياة، واحدة تلو الأخرى.

وكذلك الأولاد…
وهذه المرة استنشق الرجل نفسًا طويلًا، موصولًا ببقايا آه،
واستعدل في جلسته.
استعدلتُ في جلستي، وأرهفتُ سمعي.

مضت السنين، ومضى العمر يتوكأ نهاره على ليله،
يأكل مرةً من حلوه.
دارت الأيام،
وديارٌ كانت قديمًا ديارًا، أصبحت اليوم غُفَارًا.
وظن الطغاة أنهم سلبوها،
لكن الأرض ثارت من تحتهم، ولفظتهم بدنسهم.
لم يقرؤوا التاريخ، هؤلاء الجهلة.

ولكنني، يا صديقي، سأعود حتمًا… سأعود،
وفي ساعدي معول للبناء.
سأبني مجدي وعزّي من جديد،
وسأكون لأسرتي عزًّا وفخرًا من جديد.
وسأغني لبلادي،
وأستنشق رائحة الطين ممزوجة بدم ألف شهيد.

لن تجدني مطأطئ الرأس أبدًا،
فأنا من قومٍ لان لعزمهم الحديد.
لن تكون لي يد دنيا،
بل ستكون يدي أعلى، بالخير الوفير.

وما زال في عقدي بقايا من بقاياه،
لعرسٍ جديد…
وما زالت في الأحداق بقايا من دموع فرح.

 

0 التعليقات:

أضف تعليقك

آخر الأخبار