في زمنٍ صار فيه الجري خلف المال أشبه بسباقٍ بلا خط نهاية، اندفع كثير من الناس يركضون كما تُطلق الوحوش في البرية؛ لا يلتفتون يمينًا ولا يسارًا، ولا يسألون: إلى أين؟ ولا بأي ثمن؟ صار المال غاية لا وسيلة، ومقياس النجاح الأوحد، حتى اختلط الحلال بالحرام، وضاعت القيم، وغاب السؤال الأهم: من أين جاء هذا المال؟
يقول المثل: «تجري جرى الوحوش غير رزقك ما بتحوش»، وفيه تذكير صريح بأن الرزق مقسوم، وأن الله لا يُؤتى بمعصيته مهما اشتد السعي وتسارعت الخطى. فليس كل من جمع مالًا كان ذكيًا، ولا كل من سبق في السباق كان على الطريق الصحيح؛ فبعض الطرق قصيرة لكنها مظلمة.
بين طعم المال الحلال الذي يمنح راحة القلب وطمأنينة النفس، ومالٍ حرامٍ يلمع في الظاهر ويُتعب صاحبه في الخفاء، يقف الإنسان أمام اختبار حقيقي:
هل يسعى برؤية صحيحة، وصبر، وتعب شريف؟
أم ينجرف خلف جشع أعمى يبرر الرشوة والاختلاس وأكل أموال الناس باسم “الذكاء” و“الشطارة”؟
كثيرًا ما ننظر إلى من يملك المال والثراء فنبهر بالنتيجة، دون أن نسأل عن الطريق. نقيس النجاح ببيت فاخر، أو سيارة حديثة، أو حساب ممتلئ، وننسى أن الطريق أهم من الوصول، وأن المال لا يُدان بذاته، بل بالطريقة التي جُمع بها. فكم من غنيٍّ يعيش قلقًا دائمًا، وكم من بسيط الحال ينام مطمئن القلب لأن رزقه جاء من حلال.
الإسلام لا يحرّم المال، بل ينظّم طريقه، ويضع ضوابط واضحة لتحصيله. قال تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ}.
فالطريق الصحيح هو العمل المشروع، لا الاحتيال ولا استغلال الناس.
هناك من يملك رؤية واضحة للحياة؛ يتعلم، يجتهد، يصبر، ويتدرّج، فيبارك الله له في رزقه قبل أن يبارك له في ماله. وهؤلاء ينطبق عليهم قول النبي ﷺ:
«إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه».
فالعمل الحلال قد لا يكون الأسهل، لكنه الأكثر أمانًا وبركة.
وفي المقابل، هناك من يجعل المال غايته الوحيدة، لا يسأل عن الحلال والحرام، فيستسهل الرشوة، ويبرر الاختلاس، وينسى أن الذكاء الحقيقي هو ألا يخسر الإنسان نفسه وآخرته. وقد قال النبي ﷺ:
«لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يُسأل عن ماله: من أين اكتسبه وفيمَ أنفقه».
المال الحرام، مهما كثر، منزوع البركة، ثقيل على القلب، وسبب لفساد المجتمعات. فهو لا يهدم الفرد وحده، بل يهدم الثقة، ويقتل العدالة، ويكافئ الفاسد على حساب الشريف.
وفي النهاية، ليس السؤال: كم جمعت؟
بل السؤال الذي لا مهرب منه: من أين جاء هذا المال؟ وبأي ثمن؟
فالمال يذهب، والمناصب تزول، لكن الأثر يبقى، والحساب آتٍ. فاختر طريقك وأنت قادر على الاختيار: طريقًا أبطأ لكنه نظيف، أو طريقًا سريعًا لكنه مليء بالندم.
فالغنى الحقيقي ليس بكثرة المال، بل براحة الضمير، وحلال الرزق، ورضا الله.
0 التعليقات:
أضف تعليقك