خلافًا لما هو شائع، فإن مفهوم العقد الاجتماعي لم يطرحه الإمام الصادق المهدي في الألفية الثانية كما يعتقد البعض، بل يعود إلى وقت مبكر في مسيرته الفكرية والسياسية. فقد طُرح هذا المفهوم صراحة في عام 1986، إلا أن الأحزاب السياسية آنذاك لم تتعامل معه بالجدية المطلوبة، بل رفضته بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
بل إن الأمر أقدم من ذلك بكثير؛ إذ سبق أن قدّم الصادق المهدي رؤيته الأولى للعقد الاجتماعي في خطابه الشهير عام 1967، المعروف بخطاب الرايات السبع، والذي ألقاه في مؤتمر حزب الأمة الخامس. يومها، وبحماسة الوعي المبكر، عقدنا ندوة في مدرستنا الثانوية لمناقشة الخطاب، وخرجنا برؤية واضحة مفادها أن على الأحزاب دراسة الفكرة، والإضافة إليها أو حتى الحذف منها، وصولًا إلى وثيقة وطنية متوافق عليها بعد حوار جاد وطويل. وقد لقيت تلك المبادرة إشادة واسعة، غير أن الأحزاب – كعادتها – قابلت الأمر بتسفيه غير مسؤول، عبر تصريحات هلامية تفتقر إلى العمق الفكري والنضج السياسي.
لاحقًا، وخلال لقاء جمعني بالإمام الصادق المهدي في إحدى زياراته إلى الدوحة، ذكّرته بخطاب الرايات السبع. ابتسم وقال لي: «يا ابني، صدقت». ثم أضاف أنه قبل نصف ساعة فقط كان في مقابلة مع سمو الأمير الوالد، وبعد التحية والمجاملات، أخرج من درج مكتبه ذلك الخطاب وسأله: «هل تتذكره؟». فأجبته: «نعم، عام 1967، في مؤتمر حزب الأمة الخامس». فقال: «نحن نحتفظ به، ونسير فيه خطوة خطوة، غير مستعجلين الإنجاز؛ إن تحقق في زمن أحفادي فلا بأس».
وأضاف الإمام، في حديث لا أنساه: «لقد سبقتَ عصرك، ووطنك، وأمتك». ومن هنا ظللنا ننادي بالعقد الاجتماعي، لا باعتباره شعارًا سياسيًا عابرًا، بل لأنه يمثل أحد الأسس الجوهرية لبناء الدولة وتأسيسها على قواعد متفق عليها.
وأود هنا أن أنبه إلى خطأ شائع، يتمثل في الربط بين مفهوم العقد الاجتماعي والدكتور عبد الله حمدوك أو الحاضنة السياسية التي اختلف معها في كثير من القضايا. هذا الربط، في تقديري، خطأ فادح، تتحمل مسؤوليته قوى سياسية بعينها، ويعكس فقرًا واضحًا في ثقافة الوطن والدولة. وهي مسألة ظللت أكررها مرارًا، لأننا – مع الأسف – شعب لم تتح له فرصة ناضجة لفهم معنى الوطن والدولة؛ فقد خرج الاستعمار سريعًا، وتركنا دون تجربة حقيقية أو تراكم خبرات مؤسسية.
لهذا، فإن الحديث عن العقد الاجتماعي ليس ترفًا فكريًا، ولا اختراعًا حديثًا، بل فكرة قديمة متجددة، طُرحت منذ عقود، وكان يمكن لها – لو أُخذت بجدية – أن تشكل أساسًا متينًا لدولة سودانية مستقرة وعادلة.
0 التعليقات:
أضف تعليقك