خلال السنوات الخمس الأخيرة، أصبح واضحًا أن عددًا كبيرًا من رواد وسائل التواصل الاجتماعي، بل وحتى بعض الفنانين ونجوم المجتمعات في دول عربية شقيقة وصديقة، وجدوا طريقًا مختصرًا نحو “الترند” وارتفاع نسب المشاهدة، وذلك عبر استفزاز السودانيين. فالشعب السوداني، بما يحمله من حساسية عالية تجاه كرامته وهويته، سرعان ما يتفاعل بغضب جماعي، رجالًا ونساءً، متجاوزًا اختلافاته السياسية والجغرافية، ليصبح كتلة واحدة في مواجهة أي إساءة.
من تراجعت شعبيته أو انخفض “الريتش” في منصاته الرقمية، لا يحتاج إلا إلى إطلاق تصريح مستفز أو سخرية موجهة للسودان أو أهله، حتى تشتعل منصات التواصل، وتُرفع نسب المشاهدة، ويُعاد تدوير الاسم في الفضاء الرقمي. وقد تكرر هذا النموذج مع عدد من الفنانين والمشاهير، ممن اتخذوا من السودانيين مطيّة مؤقتة للوصول، وتحقيق أرباح مادية وانتشار إعلامي، قائم في جوهره على الجدل والسجال لا على المحتوى الحقيقي.
ولم يعد الأمر مقتصرًا على الأفراد، بل امتد إلى بعض الصفحات والمنصات الإعلامية التي تتعمد إثارة الجدل في كل ما هو سوداني، لأنها تعلم مسبقًا أن رد الفعل سيكون واسعًا، وأن الغضب سيحوّلها إلى مركز تفاعل مؤقت. ومن هنا، لا يمكن النظر إلى ما صدر عن الإعلامي عمرو أديب في برنامجه الشهير بوصفه حديثًا عابرًا أو زلة لسان، بل جاء ضمن سياق محسوب، وفي توقيت محدد، يتزامن مع موجات متكررة من الاحتقان الإلكتروني بين السودانيين والمصريين والسوريين.
حديث عمرو أديب عن السودان وسوريا جاء منسجمًا مع خطاب تتبناه قلة من الأصوات، تصف السودانيين بأوصاف مجحفة، وتعيد إنتاج صور نمطية متجاوزة للواقع. وقد قُدِّم هذا الخطاب في قالب “ساخر أنيق”، لكنه في جوهره لا يختلف عن الإهانة المباشرة. والسخرية من احتفاء السودانيين بعودة “سودانير” لم تكن استهزاءً بشركة طيران، بل تجاهلًا متعمّدًا لسياق الحرب، ولرمزية عودة المطار بعد ثلاث سنوات من الدمار.
والمفارقة أن المطلوب من السودانيين، ضمنيًا، هو الصمت وتجاوز الإساءات، في وقت لا تتورع فيه بعض الأصوات عن الشتم والكذب والتحريض. وكان الأولى بالإعلام، لا سيما أصحاب المنصات الكبرى، أن يسهم في تهدئة الخطاب، لا في تأجيج الخلافات، وأن يدرك أن اللعب على وتر الكرامة الوطنية قد يحقق ضجة مؤقتة، لكنه لا يصنع احترامًا دائمًا.
قد يصفق البعض لمثل هذا الخطاب، لكن الاحترام لا يُبنى على حساب الشعوب، ولا يُستعاد بإهانة الآخرين. والشعوب، مهما اختلفت، تميّز بين النقد والسخرية، وبين الرأي والتهكّم، وتعرف جيدًا من يخاطبها بصدق، ومن يستغلها لصناعة ترند عابر.
بالعربي الفصيح
0 التعليقات:
أضف تعليقك