بعد عودة حكومة الأمل إلى الخرطوم، وجدت الحكومة نفسها على مفترق طرق حاسم، حيث تتشابك تحديات إعادة الاستقرار الداخلي مع تعقيدات العلاقات الإقليمية والدولية. وفي خضم هذا المشهد، برزت وزارة الخارجية السودانية، تحت قيادة السفير الوزير محي الدين سالم، كجهة تعمل بصمت، لكن بفاعلية، لإعادة توجيه البوصلة الدبلوماسية للسودان بما يخدم مرحلته الانتقالية الصعبة.
لقد أدركت القيادة الجديدة لوزارة الخارجية أن أولى خطوات النجاح تكمن في ترتيب الأولويات بدقة. فبعد فترة من التشتت وتعاقب أكثر من وزير على إدارتها، كان لا بد من وضع أجندة واضحة تركز على تعزيز الدعم السياسي والاقتصادي للحكومة الانتقالية، وخلق بيئة إقليمية ودولية داعمة لمسيرة السلام والاستقرار الداخلي، والعمل على تخفيف العزلة الدولية، وتسهيل عودة السودان إلى المجتمع الدولي بصفة كاملة وفاعلة.
كما سعت الوزارة، وبهدوء ملحوظ، إلى توحيد المواقف السياسية والخارجية للسودان. فقد عملت الدبلوماسية السودانية على صياغة رواية موحدة وواضحة تعكس أهداف المرحلة الانتقالية وتطلعات الشعب السوداني، بما يعزز مصداقية البلاد لدى شركائها. ولم يقتصر هذا التوحيد على الداخل فحسب، بل امتد ليشمل البعثات الدبلوماسية المنتشرة حول العالم، لتعمل كفريق متجانس ينقل صورة متناسقة عن الدولة السودانية.
ولأن الهيكل يجب أن يلائم المهام، جاءت إعادة هيكلة البعثات الدبلوماسية كأمر حيوي. فهذه البعثات تمثل أدوات التنفيذ على الأرض. وتشير القرائن إلى أن الوزارة شرعت في مراجعة أداء وأولويات هذه البعثات، وربما التفكير في إعادة توزيع الموارد بما يتناسب مع المتطلبات الجديدة. وقد تتركز الأولوية في هذه المرحلة على العلاقات مع الدول المانحة، والمؤسسات المالية الدولية، أو الدول المجاورة المؤثرة في ملفات السلام والأمن والدبلوماسية الشعبية. كما يُعد تحسين الكفاءة الإدارية والمالية للبعثات جزءًا أساسيًا من متطلبات المرحلة الراهنة، التي تتسم بضغوط اقتصادية كبيرة.
إن الوضع الراهن في السودان يفرض على دبلوماسيته مهام شاقة، تشمل الدفاع عن سيادة البلاد ووحدتها، وكسب ثقة المانحين لإنعاش الاقتصاد المنهك بسبب الحرب، وإدارة ملفات إقليمية شائكة، مثل سد النهضة وقضايا الحدود، إلى جانب التعامل مع ملفات العدالة الانتقالية على المستوى الدولي. وكل ذلك يتطلب دبلوماسية لا تُحدث ضجيجًا، لكنها تبني الجسور، وتعمل بتأنٍ واستراتيجية طويلة المدى، وهو ما يبدو أن قيادة الوزير محي الدين سالم تسعى إلى ترسيخه.
وباختصار، تواجه وزارة الخارجية السودانية اختبارًا حقيقيًا في قدرتها على تحويل التحديات إلى فرص. فالعمل الهادئ الذي تقوده حاليًا في ترتيب الأولويات، وتوحيد الصفوف، وإصلاح الهياكل، يمثل الأساس الذي يمكن أن تُبنى عليه علاقات خارجية أكثر نضجًا وفاعلية. ونجاح هذه الجهود الصامتة سيكون عاملًا محوريًا في دعم الاستقرار الداخلي، وتمهيد الطريق لسودان ما بعد الحرب، يتمتع بموقع لائق ومحترم على الخريطة الدولية. إنها دبلوماسية المرحلة التي تدرك أن القوة الحقيقية تكمن أحيانًا في الحكمة والصبر والعمل المنظم، أكثر من الظهور الإعلامي.
0 التعليقات:
أضف تعليقك