لم ألتقه من قبل، لكن الأعين ظلّت تلتقط همّته وهو يسير وسط عاصمةٍ أنهكها الخراب، يتفقد حاجات الناس، متأهبًا للمساعدة والمساندة. ففي لحظاتٍ نادرةٍ تتقاطع فيها القيادة الإنسانية مع صمود المواطن في زمن الحرب، أفرزت الأيام الحالكة شخصياتٍ بدت كملائكة إسعاف، تلامس الألم وتداوي النزيف. شخصيات تستحق أن تخرج من دائرة الإدارة المحلية الضيقة إلى فضاء التكريم الدولي.
والي ولاية الخرطوم، أحمد عثمان حمزة، أحد هؤلاء الذين جعلوا من إرادة الحياة والسلام مشروعًا يُحتذى به، وسط تحدياتٍ هائلة وأوضاعٍ إنسانية غير مسبوقة.
إن الحديث عن ترشيح شخصيةٍ لجائزة نوبل للسلام لا يمكن أن يكون مجاملة عاطفية، بل هو مرهون بأفعالٍ أثّرت، وما زالت تؤثر، في حياة ملايين الناس، وخلقت أفقًا جديدًا للإنسانية وسط الصراع.
وحمزة، منذ تعيينه واليًا في واحدة من أحلك فصول الحرب السودانية، اتخذ من الإنسان محور اهتمامه الأول. لم يدَع الحياة تنزلق إلى اليأس رغم لظى الحرب وقسوتها. كان بإمكانه أن يغادر، لكنه صبر، وصبر معه فريقه، وقدموا نماذج نادرة في الإيثار والمثابرة وتحمل المسؤولية.
تجسّد دور الوالي في بقائه وسط الخرطوم حين هاجمت مليشيات سفك الدماء العاصمة، وخلّفت دمارًا واسعًا في البنى التحتية من مياه وكهرباء وصحة. رفض أن تكون قيادته مكتبية، واختار الحضور الميداني الفعّال والاستجابة المباشرة للاحتياجات الإنسانية العاجلة.
لم يكتفِ بإدارة الأزمة، بل كان حاضرًا في قلب الميدان الصحي؛ إذ دعم حملات التطعيم ضد الكوليرا التي استهدفت أكثر من 2.6 مليون شخص في الخرطوم. ورغم الوضع الكارثي، جاءت الاستجابة واسعة، فانخفضت معدلات الوفيات بفضل الجهود المكثفة.
كما أطلق مبادرات لدعم الصحة العامة ومكافحة الأمراض التي تفشّت بسبب الحرب، من خلال حملات مكافحة نواقل الأمراض والتخلص من المخلفات الخطرة المتبقية من الصراع، عبر قوات الدفاع المدني في سبع محليات.
وفي زمنٍ تتفاقم فيه الأزمات، عمل الوالي على توفير العلاج المجاني لمرضى حمى الضنك والملاريا، ووقف بنفسه على متابعة توفر الخدمات الصحية في المستشفيات المحلية.
إن السلام لا يتحقق فقط بوقف إطلاق النار، بل بعودة الحياة. وما يجعل تجربة الوالي حمزة جديرة بالحديث عن السلام هو سعيه لإعادة الحياة المدنية إلى العاصمة، حتى مع استمرار الحرب في محيطها. فقد عمل على إعادة تشغيل المناطق الصناعية، مثل المنطقة الصناعية بالخرطوم بحري، لتكون رمزًا لعودة الإنتاج والكرامة الاقتصادية بعد أن دمّرها البغاة.
كما دفع نحو تطوير إدارة البيانات الرقمية عبر منصات مثل «بلدنا»، لتحسين إدارة الخدمات الحكومية، في خطوة نوعية لبناء مؤسسات قادرة على خدمة المواطنين بكفاءة حتى في زمن الحرب.
إنسان قبل أن يكون مسؤولًا
ليست الإنجازات الإدارية وحدها ما يميّز حمزة، بل إنسانيته الواضحة في المواقف الفردية. فقد واصل زياراته الميدانية وتفقده لأحوال الناس، ومن ذلك زيارته لطالب شهادة ثانوية فقد يده ورجله جراء الحرب، فشجّعه على إكمال امتحاناته، في رمز صادق لإنسانية تضع الإنسان في قلب الدولة.
ظلّت استجابة والي الخرطوم الفورية لمتطلبات السكان ووقوفه وسط الأحياء، مساعدًا ومواسيًا وحاثًا على استمرار الحياة، حديث الناس ومصدر فخرهم. فحضوره بينهم وتلبيته لنداءاتهم جعلاهم يشعرون أن الدولة لم تنسهم في أحلك الظروف.
السلام يحتاج شجاعة… وشجاعة حمزة ليست ميدانية فقط
جائزة نوبل للسلام لا تُمنح فقط لمن يوقّع اتفاقيات في قاعات فاخرة، بل أيضًا لمن يحافظ على إنسانية المجتمع في زمن الحرب، ويعيد الأمل والكرامة للناس. وقد امتدّ دور والي الخرطوم من إدارة الأزمة الأمنية إلى تعزيز الصحة العامة، ودعم إعادة الإعمار المدني، وتهيئة بيئة تعيد الحياة إلى المدينة.
إن ما قام به أحمد عثمان حمزة هو فرحة سكان الخرطوم بعودتهم إلى ديارهم، وبداية حقيقية للتعمير. وهذا هو جوهر القيادة في أوقات الأزمات قبل أوقات السلم.
لذلك، وبكل تقدير واحترام، فإن والي ولاية الخرطوم أحمد عثمان حمزة يستحق أن يُرشَّح لجائزة نوبل للسلام، اعترافًا بدوره الإنساني في زمنٍ قاتم، دور يُحتفى به داخليًا وخارجيًا كنموذج للسلام في زمن الحرب، والرحمة في عصر الانقسامات.
فالسلام الذي بناه حمزة ليس مجرد غيابٍ للحرب، بل عودة للحياة، والكرامة، والأمل.
سلام لك يا والي الخرطوم… وسلامٌ لمن جعل من التحدي إنجازًا، ومن الإنسان محور مشروعه.
0 التعليقات:
أضف تعليقك