مفهوم «النهضة المستدامة»، في أبسط معانيه، هو كيف يمكننا بناء صرحٍ حضاريٍّ لا تهزّه رياح المتغيرات، ليكون أمانةً تسلّمها الأجيال الحالية لمن بعدها بكل فخر واعتزاز. واليوم، ووطننا يفتح ذراعيه لحملات الإعمار في مرحلة ما بعد الحرب اللعينة، يجب أن يضع كل مسؤول سوداني نصب عينيه أن إعادة البناء العشوائي قد تكون «حرباً ثانية» على مستقبل الوطن، وأن تكون الاستدامة أساساً في كل المشاريع، حتى لا يكون الإعمار مجرد حل مؤقت، بل نهضة تدوم للأجيال القادمة.
في سياق ما بعد الحرب، تابعنا تدشين أعمال لجنة تأهيل وإعداد الاستادات بولاية الخرطوم، برئاسة بروفيسور أحمد آدم، وزير الشباب والرياضة، وذلك تنفيذاً لقرار مجلس السيادة الانتقالي الرامي إلى إعادة تأهيل البنية التحتية الرياضية وتهيئة البيئة المناسبة لعودة النشاط الرياضي بالولاية.
في أول اجتماع للجنة، أعلنت توصيتها باعتماد العشب الصناعي لملعب الهلال، وهو ما دفع مجلس الهلال إلى رفض الفكرة جملةً وتفصيلاً، باعتبار أن ذلك يُعد هدراً لموارد الدولة. ومن وجهة نظري، فإن هذا التوجه أقرب إلى الفشل العقيم، لأنه يكرر الأخطاء ذاتها بالعقلية نفسها، مع توقع نتائج مختلفة، وهو تفكير لا يقود إلا إلى الإحباط واليأس.
يعتقد كثيرون أن النجاح في إدارة المشاريع يبدأ بتقليل النفقات إلى أدنى حد ممكن. ورغم أن الرقابة المالية أمر حيوي، إلا أن الانحياز التلقائي لـ«العرض الأرخص» غالباً ما يكون بداية النهاية لأي مشروع ناجح. هذه الظاهرة، المعروفة بـ«اقتصاديات الرخص»، تؤدي في كثير من الأحيان إلى نتائج عكسية، تجعل التكلفة النهائية أضعاف ما كان مخططاً لها.
اقتصادياً، فإن استخدام مواد رديئة يعني أن المشروع سيحتاج إلى صيانة مكلفة في وقت مبكر جداً. والنظر فقط إلى ما تحت الأقدام، أي التكلفة الآنية، يُغفل الأثر الاستراتيجي بعيد المدى، ويجعلنا ندور في حلقة مفرغة من «ترقيع» الأخطاء. وبدلاً من البحث عن السعر الأقل، علينا البحث عن القيمة الأفضل، وهي المعادلة التي تجمع بين الجودة والسعر والوقت.
هذا التفكير العقيم عانينا منه كثيراً في عهد نظام الإنقاذ سيئ الذكر، الذي أضاع على السودان فرصة بناء أكبر مدينة رياضية في أفريقيا، بسبب الفساد وغياب الأهلية لدى القائمين على أمر البلاد والرياضة آنذاك. واليوم، نرجو الاستفادة من أخطاء الماضي؛ فبدلاً من سياسة الترقيع والترميم الرخيص، لماذا لا تعمل اللجنة على تأهيل ملعب واحد بمواصفات ممتازة، تضمن استدامة المشروع؟
أي ترقيع في الوقت الحالي هو هدر صريح لموارد الدولة، وستفضحه الأيام، لنظل بعدها نركض خلف السراب، ولا نحصد في النهاية سوى الندم. ورفض مجلس الهلال لسياسة الترقيع يجب أن يكون درساً للجنة تأهيل الملاعب، ونتمنى أن تحذو بقية إدارات الملاعب النهج ذاته: إما ترميم بجودة عالية، أو تأجيل الأمر إلى حين تيسّر الإمكانات.
نتابع هذه الأيام روعة الملاعب المغربية، وقبلها شاهدنا كيف أن دولاً أفريقية أفقر اقتصادياً من السودان حققت طفرة حقيقية في منشآتها الرياضية. ولا شك أن هذه الطفرة ما كانت لتتحقق لو أُسندت لإدارات لا همّ لها سوى جذب فلاشات التصوير، بينما تذهب المخرجات إلى ستين داهية. اتقوا الله في السودان يا هؤلاء.
القرار الصحيح هو أن تركز اللجنة كل جهودها على تأهيل المدينة الرياضية؛ فإذا كانت قد شهدت أول رصاصة في الحرب، فلماذا لا نجعلها تشهد أول نهضة حقيقية نحو سودان المستقبل؟
نختم بالقول إن الاستدامة في إعادة الإعمار تعني تحويل النقمة (الدمار) إلى فرصة لتصحيح أخطاء الماضي، وبناء منشآت أذكى وأكثر عدلاً وإنصافاً.
لاحقاً سنتناول توابع فيديو الغربال المثير للجدل، والذي لا نعرف دوافع الإصرار على نشره.
0 التعليقات:
أضف تعليقك