الإحساس الوجداني بالعودة إلى الخرطوم هو مزيج معقّد من الشوق العميق، والحنين للذكريات؛ للبيوت والأحياء والأهل والجلسات، ولتفاصيل الحياة اليومية التي غابت قسرًا. وهو في الوقت نفسه شعور باستعادة الروح والحياة بعد غياب طويل، تتخلله تساؤلات مؤلمة حول شكل المدينة بعد الأزمة، ولهفة جارفة لرؤية الأهل والجيران من جديد. كأنها عودة إلى النيل وهو يتدفّق بالحياة والأمل. إنها مشاعر تجمع بين فرحة العودة المنتظرة، وألم الفقد، مع ترقّب صادق لغدٍ أفضل يعيد للحياة بهجتها.
وفي سياق الأحداث الجارية مطلع عام 2026، تعني العودة إلى الخرطوم، من الناحية العملية، استئناف الحياة السياسية والخدمية في العاصمة السودانية بعد سنوات من النزوح والاضطراب. وقد أعلنت الحكومة السودانية المركزية في 11 يناير 2026 عودتها لممارسة مهامها رسميًا من الخرطوم، بعد نحو ثلاث سنوات من العمل من العاصمة المؤقتة بورتسودان، في خطوة تُعد إعلانًا رمزيًا وعمليًا لدخول البلاد مرحلة التعافي وإعادة الإعمار.
أما بالنسبة للسودانيين، فإن مصطلح «العودة إلى الخرطوم» يحمل شحنة عاطفية كثيفة، تتجاوز الجغرافيا لتلامس الهوية ذاتها. فهو يعني استعادة الارتباط بالمنازل والذكريات التي غادروها قسرًا. ومع ذلك، تبقى هذه العودة محفوفة بالتحديات، إذ لا تزال مناطق واسعة تعاني من دمار كبير في البنية التحتية، ما يجعل العودة بالنسبة لبعض الفئات صعبة أو حتى قسرية. ويظل سؤال «من أين نبدأ؟» حاضرًا بقوة في وجدان النازحين، إلى جانب الخوف من فقدان ملامح الأماكن التي شكّلت ذاكرتهم الجمعية، والأسى على الأرواح التي رحلت ولن تعود.
ورغم هذا الوجع، بدأت ملامح التعافي الوجداني والاجتماعي في الظهور، من خلال عودة بعض الأنشطة الثقافية والاجتماعية، مثل فتح المنتزهات، والعودة إلى القراءة والمكتبات، في محاولات جادة لترميم النسيج الاجتماعي واستعادة الإحساس بالحياة الطبيعية.
وباختصار، فإن العودة إلى الخرطوم في عام 2026 تمثّل انتقالًا من «مربع النزوح» إلى «مربع الاستقرار وإعادة بناء الدولة»، رغم استمرار تحديات أمنية واقتصادية في بعض المناطق. وقد عبّرت الأديبة السودانية روضة الحاج في نصوصها المتداولة مطلع عام 2026 عن شعور «الاقتلاع من الأرض»، مؤكدة أن النيل وتوتيل وجبال الكجور جذور لا تموت، وأن العودة فعل انتماء يعيد الروح إلى جسد الوطن.
وهكذا يصف السودانيون العودة إلى الخرطوم بأنها رجوع إلى «الضرا الكبير»؛ البيت الواسع الذي يسع الجميع، وإحساس وجداني جارف بأن الخرطوم هي المركز الروحي الذي لا تكتمل حياة السوداني إلا فيه، رغم كل التحديات الأمنية والخدمية. فالعودة إلى الخرطوم تشبه استعادة الروح بعد غياب طويل، كأن النيل يفيض من جديد في شرايين المدينة، حاملًا معه حياة جديدة وأملًا طال انتظاره.
إنها ليست عودة إلى مبانٍ وشوارع فحسب، بل عودة إلى روح مدينة تجمع بين دفء العلاقات الإنسانية، وعمق تراثها، وأصوات تاريخها وحاضرها. لحظة يتنفس فيها الجميع الصعداء، وتعود الأسواق إلى صخبها، والمقاهي إلى أحاديثها، والسماء إلى احتضان أحلام أهلها الساعين إلى غدٍ أفضل. فالخرطوم، في عودتها، ليست مجرد مدينة تستعيد حياتها، بل رمز لصمود شعبٍ يأبى أن ينكسر.
0 التعليقات:
أضف تعليقك