ليس غريبًا ولا عجيبًا أن يكون هذا حال اتحادنا، لأن من يقودونه يفتقدون البصيرة البعيدة والفكر الاستراتيجي، وهو فكر ينقص البلاد في كل مناحي الحياة. هذا القصور يجعلنا دولة تعيش بمنطق «رزق اليوم باليوم»، بينما المعلوم أن الفكر هو الذي يأتي بالمال، وليس العكس.
في تقديري، وبعد خروجنا المعلوم من منافسات إفريقيا في هذه الدورة، كما خرجنا قبلها من كأس العرب خاليي الوفاض، وهو خروج يفضح حالنا بأسبابه المعلومة للكافة، والتي ظللنا نذكرها ونبرر بها الإخفاقات، كان الأجدر بقادة الاتحاد أن يدرسوا بنيوية واقعنا الكروي، وكيفية تطويره خلال السنوات القادمة، حتى يبزغ نجمنا من جديد.
على قادة الاتحاد وضع استراتيجية واضحة لمشروع تطوير كرة القدم، تقوم على ثلاث مراحل: قصيرة المدى، ومتوسطة المدى، وطويلة المدى، بمراحل زمنية محددة، وآليات مدروسة، ومتابعة عبر أجهزة فنية عالية التأهيل، بدل هذا العمل القطاعي المرتجل. فهذه فرصة ذهبية، خاصة بعد موت المشروع الإنجليزي السابق، القائم على المراحل السنية عبر مراحل التعليم، والذي انتهى بالرياضة الجماهيرية، فَقَطَع تواصل الأجيال، ومنع تراكم الخبرات، وهو ما أُسميه فقرنا في ثقافة الوطن وثقافة الدولة، وحالنا يؤكد ذلك.
ليست المسألة مسألة تجديد أو عدم تجديد، في ظل غياب المشروع وغياب الفكر الاستراتيجي.
لذلك نقول: لا بد من عقد ورشة تضم كل الخبراء لخلق مشروع وطني نسير عليه. وأكبر دليل على ذلك نجاح تجارب مثل عامر وشادي، وأهمية المراحل السنية في كل الرياضات. ويجب تعميم هذه الفكرة كخطوة أولى، عبر عودة الرياضة إلى مراحل الدراسة في التعليم العام كنهج شامل، ثم تأتي الخطوة التالية بالبحث في إمكانية إدخال الأكاديميات في مختلف ضروب الرياضة الوطنية، وتنشيط البروتوكولات الرياضية الموقعة سابقًا لتنفيذ ذلك.
لقد طالبنا سابقًا، ومن خلال الجالية السودانية، بهذه الخطوات، ووجدنا اتفاقًا من وزراء الرياضة، لكن للأسف كان الوزير يُقال بمجرد عودته، وتبدأ المشكلة من جديد، إذ يأتي من بعده ويبدأ من الصفر، لا يقرأ أين وقف سلفه، ولا يراكم العمل، وذلك بسبب فقرنا في ثقافة الوطن والدولة، وهو الداء العضال.
كما يجب إلزام الأندية بإنشاء أكاديميات وفرق للمراحل السنية، أو عدم الترخيص لها بالعمل في المجال الرياضي.
بلدنا رحمٌ ودودٌ ولود، وأجسام شبابنا هي الأنسب لمزاولة الرياضة في العالم، حسب رأي الخبراء، بل قال أحدهم إن الصين والهند تتمنيان امتلاك مثل هذه البنية الجسدية. لكن افتقاد الرؤية، وغياب المشروع، وضعف التفكير الاستراتيجي، وعدم الاستقرار السياسي، إلى جانب أسباب أخرى يضيق المجال لذكرها، تقف جميعها عائقًا أمام تقدمنا.
فهل ننتهز هذه الفرصة، ونبني رياضة صحيحة، ونترك عقلية «رزق اليوم باليوم»؟ فليذهب كواسي أبياه اليوم قبل الغد من أجل مشروع نهضوي حقيقي، ولنترك ضيقنا بالنتائج، واستعجالنا الذي لم نجْنِ منه سوى الضياع.
وعلى وزارة الشباب والرياضة أن تطلب من الاتحاد العام تقديم رؤية متكاملة وواضحة للمستقبل.
وبالله التوفيق.
0 التعليقات:
أضف تعليقك