الثلاثاء 03/فبراير/2026
كارثة العصر

 

 

يُعَدّ تعاطي المخدرات من أخطر الظواهر التي ابتُليت بها المجتمعات المعاصرة، حتى غدا بحق كارثة العصر، لما يحمله من تهديدٍ مباشر لأمن الأفراد، واستقرار الأسر، ومستقبل الأجيال. وتزداد خطورته حين يستهدف فئة الشباب، الذين يُشكّلون عماد الأمة وأملها في التقدّم والبناء. وقد شهد العالم في السنوات الأخيرة انتشارًا مقلقًا لهذه الآفة، بفعل عوامل اجتماعية واقتصادية وثقافية متداخلة، جعلت آثارها عميقة ومتعدّدة الجوانب.

ويُعَدّ الشباب الفئة الأكثر عرضة لتعاطي المخدرات، نتيجة الفضول، وضغط الأصدقاء، والفراغ، وضعف الوازع الديني والأخلاقي، إضافة إلى البطالة واليأس من المستقبل. وما إن يبدأ الشاب بالتعاطي، حتى يجد نفسه في دوّامة الإدمان، يفقد معها السيطرة على سلوكه، وينحرف عن القيم والمبادئ، فيتحوّل من عنصرٍ فاعل في المجتمع إلى عبءٍ ثقيل عليه وعلى من حوله.

ولا يقف خطر المخدرات عند حدود الفرد فحسب، بل يتعدّاه ليطال المجتمع بأسره؛ إذ تُسهم بشكل مباشر في تفشّي الجريمة بمختلف صورها، كالسرقة والاعتداء والقتل. فكثيرًا ما يلجأ المدمن إلى ارتكاب الجرائم لتأمين ثمن المخدر، أو نتيجة فقدانه الوعي والإدراك، مما يجعل المخدرات سببًا رئيسيًا في زعزعة الأمن، وانتشار العنف، وبثّ الخوف في أرجاء المجتمع.

أما على الصعيد الأسري، فإن تعاطي المخدرات يؤدّي إلى تدمير الروابط العائلية؛ إذ يفقد المدمن إحساسه بالمسؤولية تجاه أسرته، ويسود داخل البيت جوٌّ من التوتر والخلافات المستمرة، وقد يتطوّر الأمر إلى الإهمال والعنف. وفي كثير من الحالات، ينتهي هذا المسار المظلم بالتفكك الأسري والطلاق، وضياع الأبناء، الذين يصبحون بدورهم أكثر عرضة للانحراف والسقوط في المسار ذاته.

وإلى جانب ذلك، تُخلّف المخدرات آثارًا صحية خطيرة، إذ تتسبّب في أمراض جسدية ونفسية مدمّرة، مثل تلف الدماغ، وأمراض القلب والكبد، واضطرابات الجهاز العصبي، والاكتئاب، والقلق، والهلوسة. كما تُعدّ سببًا مباشرًا لانتشار أمراضٍ معدية خطيرة، كالإيدز والتهاب الكبد الوبائي، خاصة عند تعاطيها عن طريق الحقن. وغالبًا ما تنتهي رحلة الإدمان بموتٍ بطيء أو مفاجئ، يحصد الأرواح ويترك خلفه مآسي لا تُحصى.

إن تعاطي المخدرات ليس مجرّد مشكلة فردية، بل خطرٌ شامل يهدّد كيان المجتمع بأسره. ومواجهة هذه الكارثة تتطلّب تضافر جهود الأسرة، والمدرسة، والمؤسسات الدينية، ووسائل الإعلام، إلى جانب دور الدولة في سنّ القوانين الرادعة، وتوفير برامج التوعية والعلاج، وفتح أبواب الأمل أمام الشباب. فبإنقاذ الشباب من براثن المخدرات، نحمي حاضرنا ونصون مستقبل أمتنا.

يا شباب الوطن، أنتم الأمل الذي تُبنى به الأوطان، والطاقة التي تُصنع بها الحياة. اعلموا أن مستقبلكم أمانة في أعناقكم، وأن كل خطوة تخطونها اليوم ترسم ملامح غدكم.

احذروا أصحاب السوء؛ فهم لا يجرّونكم إلا إلى طرقٍ مظلمة، يُزيّنون الخطأ ويُهوّنون الخطر، حتى تجدوا أنفسكم أسرى لقرارات لم تكونوا تقصدونها. فالصديق الحقيقي هو من يأخذ بيدك إلى النجاح، لا من يدفعك نحو الهاوية.

وإيّاكم والمخدرات، فهي وهمٌ قاتل؛ تبدأ بلحظة تجربة وتنتهي بخسارة العمر. تُدمّر الصحة، وتُطفئ الطموح، وتقطع الصلة بين الإنسان ودينه وأهله ومجتمعه، وما تمنحه من لذّة زائفة، تسلبه أضعافًا من العقل والكرامة والمستقبل.

تذكّروا أن وراءكم أسرًا تعبت وسهرت وضحّت، تنتظر منكم أن تكونوا سندًا وفخرًا، لا سببًا للألم والانكسار. وبكم يتماسك النسيج الاجتماعي؛ فإذا صلح الشباب صلح المجتمع، وإذا ضاع الشباب ضاعت القيم، وانهار الأمان.

إن الحفاظ على المجتمع يبدأ بحماية شبابه، وحماية الشباب تبدأ بالوعي والاختيار الصحيح. فالمخدرات ليست قدرًا محتومًا، بل خطرٌ يمكن دحره بالإرادة، والتكاتف، وتحمل المسؤولية. فلنقف جميعًا، أفرادًا ومؤسسات، صفًّا واحدًا في وجه هذه الكارثة، دفاعًا عن عقول أبنائنا، واستقرار أسرنا، وأمن أوطاننا.

فبوعي المجتمع وسلامة الشباب يُبنى السدّ المنيع في وجه كارثة العصر.

 

0 التعليقات:

أضف تعليقك

آخر الأخبار