في لحظةٍ نوعيةٍ فارقة، أعلنت الجهات المعنية في السودان عن إحباط مخطط لتهريب قطع أثرية نادرة كانت قد سُرقت سابقاً من متاحف البلاد خلال الفوضى التي تسبب فيها المتمردون. وقد كشفت العملية الأمنية عن ضبط واسترداد 570 قطعة أثرية تعود لمقتنيات المتحف القومي السوداني، لتعود هذه الكنوز إلى حضن الوطن بعدما كانت في طريقها إلى خارج البلاد.
وتُعد هذه الخطوة نصراً كبيراً للأجيال السودانية كافة؛ فاستعادة القطع الأثرية ليست مجرد استرجاع لمقتنيات مادية، بل هي استعادة لجزءٍ من النفس والهوية، ورسالة قوية تؤكد أن حضارة السودان غير قابلة للنهب أو البيع.
سرقة آثار الشعوب ليست مجرد فقدان أشياء مادية؛ إنها سرقة للذاكرة الجماعية، وقطعٌ للرابط بين الأجيال وأرضها وتاريخها. وفي السودان، البلد الذي يمتد تاريخه لآلاف السنين عبر حضارات كرمة ومروي والنوبة، كانت المتاحف والمواقع الأثرية من أكثر القطاعات تضرراً من الحرب والصراع المسلح منذ أبريل 2023. إذ تعرّض المتحف القومي السوداني ومتاحف أخرى لعمليات نهب وتدمير ممنهج، وفُقدت عشرات الآلاف من القطع ذات القيمة التاريخية.
في هذا السياق، تبرز العملية الأمنية الأخيرة كإنجازٍ يستحق التقدير، لا لأنها استعادت قطعاً أثرية فحسب، بل لأنها أعادت جزءاً من الهوية السودانية التي حاولت الفوضى والفساد طمسها وتهريبها إلى الخارج. ومع ذلك، يشير الفحص الأولي إلى أن بعض القطع تعرّضت للتلف نتيجة التعامل غير المهني من قبل الجهات التي نهبتها، ما يضيف تحدياً جديداً أمام جهود الترميم والحفاظ. وقد أكدت وزارة الثقافة والإعلام والسياحة أن عدداً من هذه القطع يحتاج إلى تدخل عاجل وأعمال ترميم متخصصة، قد تستدعي إرسالها إلى خارج البلاد حفاظاً على قيمتها التاريخية.
وفي خطوةٍ متوازية، أعلنت الوزارة عن تشكيل لجنة متخصصة لتوثيق وتصنيف القطع وفقاً للمعايير المتحفية الدولية، وهو إجراء حيوي لضمان حفظ هذه الكنوز وحمايتها من مخاطر الفقدان أو التلف مستقبلاً. فهذا الجهد لا يُعد واجباً ثقافياً فحسب، بل يمثل استثماراً في حاضر ومستقبل أجيال السودان، التي تستمد قوتها من فهم تاريخها والتمسك به.
غير أن التحدي لا يتوقف عند حدود استعادة 570 قطعة فقط؛ فالسودان فقد خلال الحرب أجزاءً هائلة من تراثه، وتبقى جهود التتبع والاسترداد والتوثيق، إلى جانب العمل الدولي المشترك مع منظمات مثل اليونسكو و**الإنتربول**، ضرورةً ملحّة لضمان ألا تكون هذه اللحظات النوعية مجرد استثناءات عابرة، بل بداية لمسارٍ أوسع يعيد إلى السودان ما سُلب من ذاكرته وحضارته.
0 التعليقات:
أضف تعليقك