الثلاثاء 03/فبراير/2026

عمق المواجع… صبر الأزمنة

عمق المواجع… صبر الأزمنة

 

وفي هذا بعضُ إيجازٍ واختزال، لسيرةٍ وضيئة، وصوتٍ صاحب طقس العبور منذ بواكير الصبا، ثم الشباب وما تلاه. هي ثمار، وقطاف جديد في سيرة الغناء السوداني؛ صوتٌ دافئ، مترع بالصبابة والحنين، مشوبٌ برنّة أسى. هو صوت الآن، وصوت الأمس القريب، ونداءات الماضي. هو «الألبوم» المرجع، وهو الكتاب، وأوراقٌ خضراء من فنّ وفتون وعبقريات الإبداع السوداني في أبهى صوره.

محمود عبد العزيز… وحواري بحري، ربوعها، ودندنات الغناء الأصيل. كان يذوب وهو يصغي، ثم يُخزّن في الذاكرة. تجلّيات عبد العزيز ، محمد ميرغني، يسترق السمع للسني الضوي وهو يُلقّن، ينفث أسحاره الطروبة. تلك الحديقة الأنيقة، وما شهدت من أصوات خفقت لها الأرواح. ثم يشجيه إبراهيم شمبات وحسان بأغنيات الحقيبة، ثم الكبير، صاحب الابتكارات اللحنية في فصيح الغناء وعامّيته، خضر بشير؛ مبدع يحترق ليضيء. استعان بالأداء المسرحي، فكان خضر بشير ظاهرة غنائية… ومحمود أيضًا.

محمود اتجاه غنائي جديد، بل مدرسة محدثة. ليس سحر الصوت وحده، ولا جبروته وأناقتُه وسطوتُه، وما يحدثه من انفعال، بل الثراء الأدائي، والموهبة، والاقتدار على نقل إحساس النص الشعري، لتبقى تحت وطأة «السلطنة». ينعش الذاكرة بأطيافٍ من لطائف وُلدن من رحم الإبداع، فتستريح الروح.

وقد تدرك رنّة الوجد والصبابة التي تشوب أعمال محمود الغنائية، وتلمس ذلك في أغنياته ذات الإيحاء الحزين أو المشجي. ترى في اختياراته الشعرية، وفي أدائه المسموع، ميلًا إلى ملامح أسى. قل لي: هل أصغيت يومًا إلى «هو موطني، حتمًا سأبقى ها هنا»؟ ما أجمل الاختيار! لحن وطني، وأداء تجاوز كل أفق، فيه إثارة بالغة. ألا تلمس فيه نبرة مشجية؟ كان محمود يؤدي النص بصدق، لأنه يشبهنا نحن أهل السودان؛ نبكي ونحن نودّع حبيبًا مهاجرًا، ثم نبكي مرة أخرى في كمال فرحنا… هكذا نحن في الحالين.

لم تسيطر تجربة محمود الخاصة على مردوده الغنائي، بل كانت خيطًا ملوّنًا في نسيج لوحاته. كان مدركًا لمسؤوليته الفنية، حريصًا على ترقيتها، معتمدًا التنوع الذي يوسّع دائرة الأذواق. فتراه يغني للحب والغزل، ثم مدّاحًا يهز القلب، ثم يشجيك بأغنيات الحقيبة، وفي كل مقام إبهار وتجلٍّ.

هذا كلام عابر، لا يمكنه الإحاطة بمحمود الفنان وسيرته البهية. كان يستعجل الخطو، رغم إحساسه بالفَتَر وأعراض المرض، وكأنه أدرك أن أوراق العمر لم يبقَ منها إلا القليل. ومع ذلك، ظل وفيًّا، كريمًا، ملتزمًا برسالته، عاشقًا لفنه، ولجمهورٍ يعمّر المسارح والساحات، يسهر ليالي مترعات، ينعم بأناقة الغناء وأصالته وما يثيره من انفعال.

ورحل محمود… فلا تدري من أين يبدأ حديثك، ولا أين منتهاه، وبأي إحساس تبكيه، بأي لهفة، وأي دموع.
محمود عبد العزيز… زهرة أطلقت عبيرها، ملأت الفضاء عطرًا، ثم احتُطِبت فذوت.
هو سراج، مصباح، كم أضاء قلوبًا، وكم أتاح عصف ذكرياتٍ وأحلامٍ لمهاجرٍ استأنس بعذب أغنياته.
شمعة أضاءت، حتى إذا نضب زيتها، ذوت.

محمود عبد العزيز… حالة صامدة في وجه النسيان.

 

 

 

 

 

 

0 التعليقات:

أضف تعليقك

آخر الأخبار