الصديق الفنان والشاعر عبد الله محمد عبد الله (ود السجانة)، كان كعادته سبّاقًا للاحتفاء بالفنان شرحبيل أحمد. فتح صفحته وكتب أكثر من أربع حلقات متتالية في منتصف العام السابق، تناول فيها ذلك المبدع، ولم يترك لأحد ما يقوله عن سيرته وفنه وموسيقاه، وحتى حياته وكل مراحل عمره.
كانت استهلالة الأخ عبد الله لتوثيقه المهم بتعليقه على أداء شرحبيل لأغنية «اللّابس البمبي» مع نجله شريف، وكيف استدار الزمان وتراوح القبول لهذه الأغنية بين الاحتفاء بها عند مولدها، وطمسها في زمن معين، ثم بعثها من جديد في هذه الأيام، وما في ذلك من تأثيرات الحِقب الحاكمة سلبًا وإيجابًا على التذوق الفني، وعلى دعوات الرقص والفرح التي بُذلت للناس في زمن مضى.
تذكّرت ذلك وأنا أشهد مشاركة شرحبيل وسط أبنائه، وترديده معهم ومع كل الحضور لهذه الأغنية نفسها، إبّان فعاليات تكريمه في القاهرة، التي فتحت أحضانها لاستقبال كثير من مبدعينا بعد الحرب.
وحينما حثّنا عبد الله على المشاركة في تكريم شرحبيل، استجبتُ بمشاركة خجولة تعكس جانبًا من نُبل ذلك الفنان، قلت فيها:
«لم أجد صعوبة في إبرام اتفاق لإحياء حفل زفافي في فبراير 1990، فقد كنت أعرف أين أجد شرحبيل أحمد. في ذلك الوقت كانت الحفلات تنتهي في العاشرة والنصف مساءً، خضوعًا لقانون حظر التجول الذي فرضته سلطة الإنقاذ، وكان لا يزال ساريًا.
قبل أسبوعين من موعد الزفاف، ذهبت باكرًا في الخامسة مساءً إلى نادي شِل بشارع الجمهورية، حيث تجري بروفات فرقة شرحبيل أحمد يوميًا من الرابعة إلى السادسة مساءً. لم أجد شرحبيل، لكني وجدت صديقه وسكرتير فرقته والعازف الأول بها كامل حسين، وكنت أعرفه لكوني أحد أعضاء لجنة النادي. كنت معجبًا به وبالتناسق بين الآلة التي يعزفها وحجمه الجسيم، وقد رسخت في أذهاننا تكوينات عازفي الساكسفون الأمريكيين وأجسامهم. أما طريقة عزفه لهذه الآلة الجهيرة، فقد كانت عندي خليطًا بين عمر عبدو (كولن كولن) وسمير سرور المصري، وكنا من المعجبين بالأخير إبّان دراستنا في القاهرة.
كان الاتفاق على إحياء الحفلات يتم عادة عبر اتحاد الفنانين، لكن كامل، مجاملةً منه، أبرم معي الاتفاق وبمبلغ أقل من نصف ما كانوا يتقاضونه. وكان هذا ديدن الفرقة مع جميع أعضاء نادي شِل. كما كانت كل حفلات الشركة ورحلات موظفيها وعمالها وأسرهم تحظى بمشاركة فرقة شرحبيل، لقاء تمتعهم باستخدام النادي لبروفات الفرقة وتخزين آلاتها. لكن مشاركة أسرة شرحبيل، بزوجته زكية وأبنائه، كانت تمنح حفلات الشركة بعدًا اجتماعيًا أسريًا حميمًا.
في ذلك اليوم عدتُ إلى النادي في الثامنة، ووجدت شرحبيل وزوجته ما زالا فيه، وكانا يقضيان عادة بعض الوقت قبل ذهابهم مع الفرقة إلى الحفلات. حيّيته وبارك لي، وقبل أن أودعه خاطبه أحد الخبثاء من شلّتنا قائلًا:
(أحمد حيمورة دا حتبدأ ليهو بأغنية ياما بكرة تندم طبعًا…).
ابتسم شرحبيل وردّ عليه وهو في طريقه للخروج:
(لا لا، حأبدأ ليهو بأغنية: لسه ما عارفين أيه مصيرنا يكون).»
التحية للفنان الكبير شرحبيل وأسرته، متّعه الله بالصحة والعافية، والتحية لكل من اضطلعوا بأمر تكريمه الناجح والموفق فكرةً وتنفيذًا، وتحية خاصة للصديق عبد الله محمد عبد الله.
0 التعليقات:
أضف تعليقك