على مدى عقودٍ من الزمان، ظلت الخطوط الجوية السودانية «سودانير» مصدر فخرٍ واعتزازٍ للسودانيين، الذين ينتابهم صدق الانتماء كلما ذُكرت الخطوط السودانية في المحافل الدولية ومطارات العالم.
حتى مطلع الألفية الجديدة، قد لا يصدق البعض أن محطة سودانير في مطار الرياض كانت بمثابة احتفالٍ أسبوعي، أشبه بعيدٍ يتجدد كل يوم جمعة عند الثانية ظهرًا بتوقيت الرياض، حين تُعلن الإذاعة الداخلية عن وصول رحلة سودانير القادمة من الخرطوم. كان المودّعون أكثر من المسافرين أنفسهم، وتمتلئ بهم جنبات مطار الملك خالد، حتى قال لي أحدهم يومًا إن هذه الرحلة تُعد عيدًا للأسر وأطفالهم، كلما سنحت لهم فرصة استقبال أو وداع ركاب سودانير، التي كانت الخيار الأول للمغترب السوداني، قبل البحث عن البدائل بعد اكتمال مقاعدها.
كانت سودانير تقف شامخة كالأسد في عرينه، تُزين مطارات الخليج، ويمشي طاقمها بخيلاء بين طواقم الطائرات الأخرى. ولم تكن «القصواء» مجرد ناقلٍ للمسافرين من وإلى الوطن في الإجازات، بل كانت شعورًا بالأمان، يبدأ منذ لحظة تطأ فيها أقدام الركاب كابينة الطائرة، حيث تبدأ محطات الوصول فعليًا قبل الهبوط في مطار الخرطوم الدولي.
وظلت سودانير قبلة المسافر السوداني حتى في أوقات الشدة، حين اشتدّ الحصار الأمريكي على السودان، فحاولت التحليق كالنسر رغم اختناقات الصيانة وصعوبة الحصول على قطع الغيار.
ورغم تذمّر السودانيين أحيانًا، لم يكونوا يأبهون بمواعيد إقلاعها أو هبوطها، بل يعدّون العدة لانتظارها كما يُنتظر موعد غرامي مع معشوقة، حتى قال الأشقاء المصريون في نكتتهم الشهيرة، حين سُئل أحدهم عن موعد وصولها:
(دي ستهم… تجي على كيفها وتمشي على كيفها!)
وتجسدت هذه المحبة في حشود الاحتفالات بعودة طائرة سودانير من رحلة صيانة في الهند، احتفالٌ صاحَبَته بعض المبالغات في الاحتفاء، نخشى أن تنعكس سلبًا على الأداء، فالزمان غير الزمان، والمنافسة اليوم على أشدّها، وقد سبقتنا شركات طيران كثيرة في التطور، وأصبح تأخر الرحلات غير مقبول في عصرٍ تتسابق فيه الشركات للتحليق إلى أقاصي الدنيا بدقة متناهية.
نخشى على سودانير من المنافسة القوية، حتى من بعض رصيفاتها الوطنيات، اللواتي استطعن تحقيق قدرٍ كبيرٍ من رضا المسافرين، فنجد «تاركو» مثلًا تحتفي كل يوم بتدشين خطٍ جديد، بأداءٍ مميز وخدمات طيران لافتة.
كنا نأمل أن تعود سودانير بأسطولٍ قادرٍ على المنافسة في هذه الأجواء، حتى لو تأجلت العودة بعض الوقت، بدلًا من هذه العودة العرجاء التي قد تقصم ظهر ناقلنا الوطني وتذهب به بلا عودة.
ومع كل أمنياتنا ودعمنا الصادق لسودانير، نأمل الاستعانة بقيادات إدارية شابة، تشبعت بأحدث أساليب الإدارة، حتى تنهض سودانير من جديد، وتعود لتحلّق بنا في سماوات الدنيا بكل فخرٍ واعتزاز.
بالعربي الفصيح
0 التعليقات:
أضف تعليقك