ما يجري تحت لافتة «الدوري الممتاز» لا يمكن وصفه إلا بأنه نسخة مُعاد تدويرها من الفوضى، أطلقها الاتحاد العام في السابع من الشهر الجاري بنظام المجموعات، في ظروف يعلم الجميع أنها لا تحتمل أي ارتجال أو عبث إداري. هذه النسخة، وهي الثانية تقريبًا منذ اندلاع الحرب، لم تُنظَّم لإنقاذ الكرة السودانية، بل كُتبت لتكريس واقع هزيل، تُدفع فيه الأندية إلى المنافسة بلا حقوق، وبلا ضمانات، وبلا أدنى احترام.
وكما هو معلوم، فإن الدوري الحالي مؤهِّل لاختيار ممثلي السودان في دوري أبطال أفريقيا وكأس الكونفدرالية، ومع ذلك يشارك الهلال والمريخ بفرق رديفة، بينما يخوضان في التوقيت ذاته تجربة الدوري الرواندي بالفريق الأول، في مشهد كاشف لحجم العبث وازدواجية القرارات، وكأن الاتحاد نفسه لا يعترف بقيمة الدوري الذي ينظمه!
ومع أولى جولات الدوري انفجرت الأزمات كما كان متوقعًا؛ إذ سارعت لجنة المسابقات بفرض عقوبات مالية ضخمة على ناديي الأمل والفلاح، غرامات «مليارية» تُفرض على أندية تعيش الإفلاس وتكافح لتأمين أبسط متطلبات البقاء. ولم يسأل أحد: من أين تُدفع هذه الغرامات؟ ولماذا تُفرض بهذه القسوة؟ وهل الهدف هو الانضباط أم كسر ما تبقى من ظهر الأندية؟
ثم جاءت شكاوى المريخ من سوء التحكيم، ومطالبته بالعدالة في ملف البث التلفزيوني، لتكشف أن الدوري انطلق بلا رؤية، وبلا اتفاق مسبق، وبلا حقوق واضحة. غير أن الحقيقة المُرّة أن الاتحاد ليس الجاني الوحيد؛ فالجريمة الكبرى ارتكبتها إدارات الأندية نفسها.
هذه الإدارات دخلت الدوري خاضعة، صامتة، خانعة؛ لم تُناقش اللوائح، ولم تُطالب براعٍ رسمي للدوري، ولم تُلزم الاتحاد ببث تلفزيوني عادل، ولم تضع شروطًا تحفظ كرامتها وحقوقها، بل وقّعت على المشاركة أولًا، ثم بدأت البكاء لاحقًا. وهذا ليس ظلمًا من الاتحاد فقط، بل جهل واستسلام مُخجل من إدارات الأندية.
حقيقة الأمر أن أندية الممتاز اليوم لا تُدار، بل تُقاد كقطعان، بلا رابطة حقيقية، وبلا موقف موحد، وبلا شجاعة في المواجهة. ولهذا تُهدر حقوقها، وتُفرض عليها العقوبات، ويُدار الدوري على حسابها. فما يحدث ليس أزمة دوري، بل فضيحة إدارات رضيت بالهوان، فكان طبيعيًا أن تُداس حقوقها تحت أقدام اتحاد لا يرى في صمتها إلا ضوءًا أخضر لمزيد من العبث.
0 التعليقات:
أضف تعليقك