الثلاثاء 03/فبراير/2026

دنيتنا الجميلة

دنيتنا الجميلة

 

 

جسّد الشاعر التجاني حاج موسى، بكلمات بسيطة، جمال الكون والطبيعة الساحرة، وأبدع في تلحينها الموسيقار يوسف حسن الصديق، لتصبح شعارًا لبرنامج جنة الأطفال بالتلفزيون القومي السوداني، يرددها الكبار والصغار:

شوفوا دنيتنا الجميلة
بوديانها وصحاريها ونخيلها
بأنهارها وبأشجارها الظليلة
ما هي دنيتنا الجميلة

الشمس كل يوم بتطلع
أصلو ما اتأخر شروقها
في العشية تسيبنا تغرب
روعة… سبحان البيسوقها
ما هي دنيتنا الجميلة

أربعة فصول في السنة
بتمر عبر الأزمنة
الشتا والصيف وربيع وخريف
وده بيحصل كيف؟
ما هي دنيتنا الجميلة

أي واحد فينا لو فكر وقدّر
عظمة الخالق بتظهر
يبقى واجبنا العلينا
نبتهل نرفع إيدينا
ونعمل المفروض علينا

 

هذا الوصف الرائع يحتاج إلى وقفة وتأمّل عميق…

فالأطفال هم نعمة الله وجمال الحياة، وهم زينتها وروحها النابضة. بهم تشرق الأيام، وتزهر القلوب، وتستعيد الأرواح صفاءها. هم الصفحة البيضاء التي لم تُلوّثها هموم الدنيا، والضحكة الصافية التي تعيد للنفس نقاءها كلما تعبت. منحهم الله براءة، وقلوبًا صغيرة تحمل حبًا كبيرًا للحياة.

نراهم يلعبون بين الأشجار والنخيل، يركضون بفرح لا يعرف التعب، كأن الطبيعة كلها تفتح ذراعيها لهم. تمتد البوادي على مدّ البصر؛ فضاءات رحبة ينساب فيها الصمت كأنه حكمة قديمة، تزيّنها تلال رملية ونباتات صبورة تعلّمت كيف تعيش بالقليل.

وفي الصحارى، تتلألأ الرمال تحت الشمس؛ بحرٌ ذهبيّ لا شاطئ له، تتبدّل ألوانه بين الفجر والمساء، وتروي كثبانه حكايات الرياح العابرة وآثار القوافل. وتأتي الأنهار كقصائد حياة في قلب الجفاف؛ تشق طريقها بهدوء، تعكس السماء على سطحها، وتهمس للضفاف بأسرار الخصب والنماء. حولها تزدهر الأرض، وتخضرّ القلوب قبل الحقول.

أما شروق الشمس، فهو وعد يوم جديد؛ حين تنبثق الخيوط الأولى من الضوء، فتتلون السماء بدرجات الورد والذهب، ويستيقظ الأفق على دفء رقيق يلامس الرمال والماء والأشجار معًا. وتقف الأشجار الظليلة كحراس كرماء، تبسط ظلالها للمارّة والمتعبين، تتمايل أوراقها بنسيم لطيف، وتمنح المكان سكينة وطمأنينة، كأنها ملاذ أخضر في حضن الطبيعة الواسعة.

تتمايل الأغصان فوق رؤوس الأطفال، وتصافحهم أوراق الشجر بنسيمها العليل، بينما تراقبهم الشمس بابتسامة دافئة. وعلى ضفاف النيل، يتعالى ضحك الأطفال كأنه نشيد الحياة؛ يراقبون الماء الجاري بعيون مليئة بالدهشة، يرمون الحصى فتتشكل دوائر صغيرة، وكأنهم يشاركون النيل أسراره القديمة في لعبهم البسيط، وفي أحلامهم اتساع الكون كله.

الشروق والغروب يتعانقان في لوحة واحدة، كأن الزمن قرر أن يلين حدوده. في الخريف، تشرق الشمس بخجل ذهبي، تتسلل أشعتها بين غيوم مثقلة بالمطر، فتلمع أوراق الأشجار المتعبة بألوان النحاس والعنبر. وحين يهطل المطر، لا يكون عابرًا، بل رسالة هادئة تغسل ما تبقّى من صيف راحل، وتترك على الطرقات رائحة الحنين.

ومع الغروب، تنحدر الشمس ببطء، تلوّن الأفق بدرجات دافئة من الألوان، بينما تتساقط القطرات على الأرض كأنها توقّع نهاية اليوم. لكن الربيع لا يتأخر؛ يطل من بين السحب بابتسامة خضراء، يحمل في نسيمه وعد البدايات، فتنهض الزهور من تحت المطر، وتختلط ألوانها بنور الشروق وأثر الغروب.

هكذا يجتمع الخريف والربيع، المطر والضوء، النهاية والبداية، في مشهد واحد… مشهد يقول إن الجمال لا ينتمي إلى فصل واحد، بل يولد من تلاقي الأضداد.

الأطفال لا يرون الكون كما نراه نحن؛ فهم يرونه مليئًا بالروائع والمعجزات. يرون في الفراشة صديقة، وفي الغيمة حكاية، وفي الشجرة بيتًا للأحلام. كل شيء حولهم يستحق الاكتشاف والفرح، لأن قلوبهم ما زالت قريبة من الفطرة التي خلقهم الله عليها.

حقًا، الأطفال نعمة من الله، وأمانة في أعناقنا، وهم أمل الغد ونوره. سعادتهم مسؤولية، وحمايتهم واجب، والاعتناء ببراءتهم عبادة. فطوبى لمن حفظ هذه النعمة، ورعى طفولة تنمو بين الجمال، كما أرادها الله: صافية، آمنة، ومليئة بالحب.

 

0 التعليقات:

أضف تعليقك

آخر الأخبار