الثلاثاء 03/فبراير/2026
خطوة… خطوة



الحياة ليست سباقًا نندفع فيه نحو خطّ النهاية بأقصى سرعة، بل رحلة وعي طويلة نتعلّم فيها كيف نخطو بثبات، ونتعثّر أحيانًا، ثم ننهض أكثر قوةً وفهمًا لأنفسنا وللعالم. فكل حلمٍ كبير يبدو بعيدًا ومهيبًا، يبدأ في حقيقته بخطوة صغيرة قد لا يلاحظها أحد، لكنها الأساس الذي يُبنى عليه كل ما يأتي لاحقًا.

نحن بحاجة ماسّة إلى الصبر؛ فالصبر ليس انتظارًا سلبيًا ولا استسلامًا للظروف، بل إيمانٌ عميق بأن لكل أمرٍ توقيته، ولكل جهدٍ ثمرة، مهما طال الانتظار. من يستعجل النجاح قد يُرهق نفسه أو ينكسر عند أول عائق، بينما من يسير خطوةً خطوة يتعلّم، ويكتسب الخبرة، وتنضج رؤيته، وتقوى عزيمته مع كل مرحلة.

تحقيق الأحلام لا يعني القفز فوق المراحل، بل احترامها. فكل مرحلة تحمل درسًا، وكل تأخير قد يكون حماية أو إعدادًا لما هو أعظم. العجلة قد تمنح شعورًا مؤقتًا بالإنجاز، لكنها كثيرًا ما تترك خلفها فراغًا أو ندمًا؛ لأن ما يُبنى على عجل قد ينهار بالسرعة نفسها. لذلك، لا تُقارن بدايتك بنهايات الآخرين؛ فلكل إنسان توقيته، وطريقه، وظروفه. تعلّم ممن سبقوك، فليس في الاستفادة من تجارب الآخرين عيب، بل فيها اختصار للوقت وتجنّب للأخطاء.

يتجلّى هذا المفهوم منذ البدايات الأولى في حياة الإنسان؛ فالطفل لا يولد وهو يعرف كيف يمشي أو يتحدّث، بل يبدأ بخطوات متعثّرة، يسقط مرارًا، ثم ينهض دون أن يفقد رغبته في المحاولة. هكذا ينبغي أن تكون نظرتنا للحياة؛ فالنمو لا يحدث فجأة، بل يتشكّل بالصبر، والتجربة، والتكرار.

وكذلك الشاب في بداية طريقه، أو الإعلامي، أو الفنان، أو صاحب المشروع؛ لا أحد يبدأ من القمّة، ولا أحد يصل من أول محاولة. خلف كل تجربة ناجحة قصة طويلة من المحاولات، والإخفاقات، والقرارات الخاطئة، والدروس القاسية. الإعلامي الذي يلمع اليوم ربما أخفق في أول تجربة، والفنان الذي يُصفَّق له اليوم ربما رُفضت أعماله مرارًا، والتاجر الذي نجح اليوم ربما خسر بالأمس، لكنه اختار أن يتعلّم لا أن ينسحب.

في عالم الإعلام والفنون خاصة، الطريق ليس سهلًا ولا سريعًا؛ هو طريق يتطلّب الصبر، وتحمّل النقد، وتطوير الذات باستمرار. النجاح هنا لا يُمنح، بل يُنتزع بالعمل المتراكم، وبالإصرار على التعلّم، وبالإيمان بأن الفكرة الصادقة والعمل المتقن سيجدان مكانهما يومًا ما. أما الفشل، فليس نهاية المطاف، بل بداية مختلفة وأكثر وعيًا؛ رسالة لا عقوبة.

لذلك، سواء كنت في بداية طريقك، أو تبني حلمك، تذكّر أن البداية المتواضعة لا تعني نهاية ضعيفة، وأن البطء لا يعني العجز، وأن الطريق الطويل غالبًا هو الطريق الأصدق. امضِ قُدمًا، حتى وإن كانت خطواتك صغيرة؛ فالأحلام العظيمة لا تولد دفعة واحدة، بل تُصنع بصبر جميل… والطريق دائمًا خطوة… خطوة.

0 التعليقات:

أضف تعليقك

آخر الأخبار