الثلاثاء 03/فبراير/2026

حنين يذيب الحجر: «يا قلبي يا مكتول»

حنين يذيب الحجر: «يا قلبي يا مكتول»

 



في عالم الشعر، توجد كلمات لا تقف عند حدود التعبير الجمالي، بل تخترق القلوب لتعبّر عن جوهر المشاعر الإنسانية الأصيلة. قصيدة «الّي مسافرة»، التي تنتمي إلى الأدب النيلي (السوداني)، تقدم لنا نموذجاً مكثفاً للحنين والشوق الذي يبلغ درجة الألم، لكنه ألم جميل، يختلط فيه الفراق بالذكرى، والبعد بالانتظار.

تبدأ القصيدة باستغاثة القلب المكتوي بنار الفراق:
«يا قلبي يا مكتول كمد، اعصر دموع».
هذا القلب لا يبكي فحسب، بل يُعصر كالثمرة الحزينة، معلناً منذ اللحظة الأولى أننا أمام حالة وجدانية استثنائية. ثم يأتي النداء:
«هات غنوة لي سيد البلد»،
نداء يستحضر صورة المحبوب الغائب، لا بوصفه إنساناً عادياً، بل «سيد البلد»، مركز الحياة ومعنى المكان.

تتكرر عبارة «يا حليلو» كترنيمة حزن، تطرح أسئلة الدهشة: كيف يبتعد الحبيب؟ كيف يترك أرضه وذكرياته؟ وكيف يقبل الآخرون فراقه؟ إنها رحلة مجهولة الأمد، سفرٌ إلى المجهول، يترك وراءه قلوباً تتوق وتشتعل.

هنا تتجسد صورة دقيقة للمحبوب:
«من لطفو… من دلّو الحبيب
من لونو… من كرز المغيب».
إنه ليس وصفاً لشخص عادي، بل خلقٌ لأسطورة حيّة؛ ثمار حلوة، شفاه كالياقوت، ومشهد كالقمر المكتمل. إنه «مخلوق عشان أحلى الثغور»، وكأن الكون كله قد تماهى في هذا الشخص.

لكن جوهر القصيدة يكمن في قوتها العاطفية الخارقة:
«لو مرة سيد الناس أمر
بنظرة بتذوّب حجر».
هنا يتحول الحنين من حالة سلبية إلى قوة فاعلة، قادرة على تذويب الصخر، وإطالة العمر بابتسامة. إنه إعلان واضح بأن الحب الحقيقي لا يعرف المستحيل، وأن الشوق، رغم ألمه، قد يكون ينبوع حياة.

هذه القصيدة، رغم خصوصية لهجتها، تتحدث بلغة القلب العالمية؛ فالحنين ليس شعوراً محلياً، بل حالة إنسانية عابرة للثقافات. كل إنسان يعرف معنى الانتظار، وكل قلب اختبر يوماً ألم الفراق وحلاوة الذكرى.

في الختام، تذكرنا هذه الأبيات بأن أعظم قصائد الحب هي تلك التي تصنع من الألم جمالاً، ومن الفراق لقاءً روحياً، ومن الانتظار رحلة داخلية نتعرّف فيها على أعماق أنفسنا. فالشاعر لم يكتب عن حبيب غادر فحسب، بل كتب عن الإنسان في بحثه الدائم عن المعنى، وعن قدرته على تحويل الغياب إلى حضور دائم في الذاكرة والقلب.

 

0 التعليقات:

أضف تعليقك

آخر الأخبار