لم تعد القضايا المرتبطة بكرة القدم الإفريقية مجرد تفاصيل إدارية، بل أضحت جزءًا أصيلًا من معركة النفوذ داخل المنافسات القارية، حيث تُستكمل المواجهات بعد صافرة الحكم، وتُحسم كثير من النتائج في دهاليز اللجان وغرف القرار، لا داخل الملعب وحده.
وهنا تبرز قضية جان كلود، لاعب الهلال، بوصفها مثالًا صارخًا على واقع الأندية السودانية عندما تُدفع إلى هذه الساحات دون مبادرة حقيقية أو سند مؤسسي يحمي مصالحها.
في هذه القضية، صدر قرار بإيقاف جان كلود ثلاث مباريات بناءً على شكوى تقدم بها نادي مولودية الجزائر، في خطوة سريعة ومدروسة استثمرت التوقيت واللحظة. وقد تحرك الهلال لاحقًا، وقدم استئنافًا رسميًا، وبذل جهدًا يُحسب له لتخفيف العقوبة، لا سيما أن اللاعب نفذ فعليًا إيقاف مباراة واحدة.
غير أن جوهر المسألة لا يكمن في نتيجة الاستئناف بقدر ما يكمن في حقيقة أن التحرك جاء بعد أن رُسمت ملامح القضية، لا قبل ذلك.
الدرس الأول، وربما الأوضح، أن من يبادر أولًا يملك القدرة على صياغة القصة وتوجيه مسار الملف، بصرف النظر عن عدالة الموقف. فما فعله مولودية الجزائر لم يكن رد فعل، بل هجومًا إداريًا مبكرًا وذكيًا، بدأ من الشكوى لمراقب المباراة داخل الملعب، وامتد إلى اللجان المختصة، ففرض سرديته وحدد اتجاه القضية منذ لحظتها الأولى.
في المقابل، بدا التحرك الهلالي دفاعيًا ومتأخرًا، أقرب إلى محاولة تقليص الخسائر منه إلى حماية الحقوق. وفي مثل هذه الملفات داخل اتحاد منحاز، يكون الزمن عنصرًا حاسمًا؛ إذ لا تُقاس العدالة فقط بالحجج، بل بمن يصل أولًا إلى دوائر القرار.
الدرس الثاني يتمثل في غياب الدور الوقائي الاستباقي للجهاز الإداري المصاحب للفريق. فالمباريات القارية، خاصة تلك التي تُلعب في أجواء مشحونة بالاستفزاز والضغط، لا تُدار فقط بالخطط الفنية، بل تحتاج إلى إدارة صارمة داخل وخارج الملعب تضبط السلوك وتغلق الأبواب أمام أي انزلاق يمكن استثماره لاحقًا ضد الفريق.
ولا يمكن في هذا السياق الاكتفاء بتحميل اللاعب كامل المسؤولية، لأن الاحتراف لا يعني ترك اللاعب وحيدًا في مواجهة فخاخ وشِراك مدروسة.
أما الدرس الثالث، وهو الأهم، فيكمن في أن الأندية السودانية تدخل المنافسات الخارجية بلا ظهر. فقد كشفت قضية جان كلود غياب اتحاد الكرة السوداني عن المشهد، ليس فقط بضعف حضوره، بل بعدم امتلاكه موقفًا واضحًا ومؤثرًا يواكب القضية في مساراتها المختلفة.
وهذا الغياب لا يضر الهلال وحده، بل يترك كل الأندية السودانية مكشوفة، سهلة الاستهداف، ويكرّس صورة أنها أطراف ضعيفة لا تملك من يدافع عنها في الساحة القارية.
الحقيقة أن قضية جان كلود لا تتعلق بثلاث مباريات إيقاف، بل بثلاث حقائق لا تقبل التجاهل: أن المبادرة تصنع الفارق، وأن الإدارة الغائبة تفتح الأبواب للخسارة خارج الملعب، وأن الاتحاد الضعيف يجر أنديته إلى معارك غير متكافئة.
آخر الكلم
ما تحتاجه الأندية السودانية ليس بيانات لاحقة ولا تبريرات متأخرة، بل اتحادًا حاضرًا ومحترمًا، يمتلك الإرادة والقدرة على الدخول المبكر إلى دوائر القرار، والدفاع عن أنديته بوضوح وصلابة.
أما الاتحاد الذي لا يُستدعى إلا في مواسم الانتخابات، ويغيب حين تتعرض أنديته لاختبارات حقيقية، فهو اتحاد يفرّط في أهم أدواره، ويترك أنديته تواجه مصيرها منفردة.
ومن دون هذا السند المؤسسي، ستظل الأندية السودانية تلعب خارجيًا وظهرها مكشوف، وتدفع الثمن مرة بعد أخرى، مهما تغيّرت الأسماء وتبدّلت القضايا.
البريد الإلكتروني:
Omeraz1@hotmail.com
0 التعليقات:
أضف تعليقك