وطني هو القلب حين يخفق، والدعاء حين يُرفع، ذاكرةٌ تتنفّس في أعماقي، وحكايةٌ بدأت قبل أن أعرف الكلام، وملجأٌ أعود إليه كلّما أثقلتني الدروب. خر بانتمائي إليه كما يفخر الغصن بجذعه، وكما تفخر الأرض بسمائها.
في وطني للطبيعة لغةٌ خاصّة، لا يفهمها إلا من أصغى بقلبه قبل أذنه. عند الفجر تستيقظ السواقي وتبدأ عزفها العذب؛ ماءٌ يهمس لماء، كأنّ الأرض تروي سرّها للسماء. تتمايل الحقول على إيقاع النسيم، وتغتسل الأشجار بندى الصباح، فتبدو وكأنها خرجت لتوّها من حلمٍ أخضر. وترتفع أصوات العصافير من بين الأغصان، نقيةً صافية، تبارك اليوم الجديد. زقزقتها لا تُسمَع بالأذن وحدها، بل تُحَسّ بالقلب، فتوقظ في الروح طمأنينةً لا تُوصَف، وتزرع الأمل كما تُزرَع السنابل في صدر الأرض.
جبال وطني شامخةٌ كالكبرياء، وسهوله ممتدّةٌ كالحلم، وأنهاره تحمل أسرار الأزمنة، وترسم لوحةً زاهيةً من الجمال والحياة؛ نهرُ النيل، والنيلُ الأبيض، والنيلُ الأزرق، ونهرُ عطبرة، ونهرُ ستيت، ونهرُ الدندر، ونهرُ الرهد، ونهرُ القاش، ونهرُ بركة، ونهرُ السوباط… شبكةٌ مائيةٌ تتعانق فيها الجداول، وتتشابك فيها الأرواح، حيث يلتقي الماء بالحياة، وتنبض الأرض بالخصب والعطاء.
على ضفافها نشأت الحضارات، وسُطِّرت فصول التاريخ، فكانت الأنهار شرايينَ الوطن، تسقي الأرض، وتغذّي الذاكرة، وتحمل في جريانها حكايات الإنسان والمكان. هنا يكتب الماء قصيدته الأبدية، وتبقى بلادي شاهدةً على عظمة الطبيعة وكرمها. كل زاويةٍ فيها تحكي قصة، وكل حجرٍ شاهدٌ على حبٍّ قديم بين الإنسان والتراب. هنا تعلّمت معنى الجمال البسيط، ومعنى أن تكون الأرض أمًّا تحتضن أبناءها دون شرط.
أفخر بوطني لأنني منه، ولأنه مني. أفخر بلغته، بترابه، بصباحاته التي تشبه الدعاء، وبفجره الذي يولد كل يوم ليهمس لنا: ما زال الخير ممكنًا.
وطني… أنتَ الحبُّ والانتماء، القصيدة التي لا تنتهي، والنشيد الذي كلّما رددتُه ازددتُ اعتزازًا وحنينًا.
وأهل بلادي مثالٌ يُحتذى في الكرم والشجاعة وحبّ العمل؛ أناسٌ تربّوا على القيم الأصيلة والمبادئ النبيلة، توارثوها جيلًا بعد جيل. عُرفوا بقلوبهم المفتوحة وأياديهم الممدودة؛ فلا يُطرق بابهم إلا ويُستقبل بالبِشر والترحاب، ولا يُطلب منهم العون إلا ويبادرون إليه دون تردّد. يتميّزون بالصدق والأمانة والشجاعة؛ لا يهابون الشدائد، ولا يتراجعون أمام الصعاب، يقفون ثابتين في وجه التحديات، يدافعون عن أرضهم وعِرضهم وكرامتهم، ويواجهون الحياة بعزيمةٍ صلبة وإرادةٍ لا تنكسر. شجاعتهم ليست في القتال فحسب، بل في الصبر، والعمل، وتحمل المسؤولية، والثبات على الحق.
ومنذ الفجر، وقبل أن تشرق الشمس، تبدأ ملامح الجدّ والاجتهاد بالظهور في كل مكان. بعد أداء صلاة الصبح، يتوجّه الرجال والنساء إلى أعمالهم في المصانع والمزارع والجروف والحقول، وقد اختلطت أصوات السواقي بنبض الحياة والعمل. ترى الفلّاح ممسكًا بمحراثه، والعامل منشغلًا بآلته، وكلٌّ يؤدي عمله بإخلاصٍ وإتقان، وكأنهم يكتبون بجهدهم اليومي سيرة الوطن.
ويستمدّ أهل بلادي قوّتهم من تمسّكهم بكتاب الله وسنّة رسوله ﷺ؛ فالدين نور دربهم ومنهج حياتهم. يربطون العبادة بالعمل، ويؤمنون بأن السعي في الأرض عبادة، وأن الإتقان أمانة، وأن العمل الشريف كرامةٌ للإنسان. وهكذا يظلّ وطني أكثر من أرضٍ تُسكن؛ إنّه روحٌ تسكننا. وطنٌ إن ابتعدنا عنه سكن فينا، وإن اقتربنا منه ازددنا حبًّا له، البيت الكبير الذي يجمعنا، فيه جذورنا، وعشق، وحكاية لا تنتهي.
سيبقى اسم بلادي محفورًا في القلب، مرفوعًا في الدعاء، ومكتوبًا بالعمل والتضحية. وسأظلّ أقول، بكل فخرٍ ويقين: هنا جذوري، وهنا هويّتي، وهنا وطني السودان، الذي يستحق أن نمنحه العمر حبًّا ووفاءً.
0 التعليقات:
أضف تعليقك