الثلاثاء 03/فبراير/2026

العطالة والموت السريري حين يموت الإنسان وهو على قيد الحياة

العطالة والموت السريري  حين يموت الإنسان وهو على قيد الحياة

 

 

في المجتمعات التي تُهدر طاقاتها البشرية، لا يكمن الخطر في الفقر وحده، بل في العطالة المقنّعة التي تتسلّل بهدوء إلى حياة الأفراد، فتُفرغ الإنسان من دوره، وتحوّله إلى كائن حي بالجسد، ميت بالفعل والغاية. تلك هي صورة العطالة والموت السريري التي نشهدها اليوم في شريحة واسعة من الشباب؛ شباب يتمتعون بالصحة والقدرة، لكنهم اختاروا حياة الاتكالية والفراغ.

نلحظ فئة تعيش على غيرها، وقد تكفّل المجتمع أو الأسرة بسدّ احتياجاتها، فلا حافز للعمل، ولا دافع لتحمّل المسؤولية، ولا استعداد لقبول النصيحة أو التوجيه. يسهرون حتى ساعات متأخرة، ويستيقظون بعد العصر، وكأن الزمن لا يعنيهم، وحين ينتهي الدوام الرسمي يبدأ يومهم؛ بلا هدف ولا إنتاج، سوى استهلاك ما ينتجه الآخرون عبر منصات التواصل الاجتماعي.

الأخطر من ذلك هو التسوّل المقنّن؛ ظاهرة تتخفّى في ثوب الحاجة، بينما هي في حقيقتها امتهان للكرامة وكسل متعمّد. نراهم في الإشارات المرورية والأسواق، وقد اتخذوا من التعاطف الإنساني موردًا دائمًا، رغم قدرتهم الجسدية على العمل. هذا السلوك لا يضر بالاقتصاد فحسب، بل يكرّس ثقافة الاتكالية، ويقضي على روح المبادرة، ويحوّل الإنسان إلى كائن على الهامش بلا طموح ولا رسالة.

ومع ذلك، لا يمكن تحميل الشباب وحدهم كامل المسؤولية؛ فالمجتمع، والأسرة، والمؤسسات التعليمية شركاء في صناعة هذه الأزمة. حين يُربّى الفرد على أن كل شيء متاح دون مقابل، وأن المسؤولية مؤجَّلة دائمًا، يصبح الهروب من العمل أسهل من مواجهته.

لقد تحوّلت العطالة من حالة استثنائية إلى نمط حياة مُطبَّع، تُمارَس بلا خجل، وتُبرَّر بخطابات زائفة تخلط بين العجز الحقيقي والكسل الإرادي. نحن لا نتحدث عن من سُدّت في وجهه السبل، بل عن فئة اختارت الانسحاب من معركة الحياة، وارتضت دور المتفرّج المستهلك لا الفاعل المنتج.

أخطر ما في العطالة ليس الفراغ الزمني، بل الفراغ القيمي. حين يتعوّد الإنسان أن تُلبّى احتياجاته دون جهد، ويتنازل عن أبسط وظائفه الإنسانية: السعي، والمحاولة، والصبر؛ يبدأ الموت السريري، لا في الجسد، بل في الإرادة.

معالجة هذه الكارثة لا تبدأ بالخطب، بل بالقرارات الجريئة:
لا مساعدات بلا مقابل، وربط الدعم بالتدريب والعمل المجتمعي.
إعادة الاعتبار لقيمة العمل أيًّا كان شكله، وكسر وهم احتقار المهن.
التفريق الصارم بين من لا يستطيع ومن لا يريد.
إصلاح التعليم ليرتبط بسوق العمل والواقع، لا بانتظار الوظيفة.
واستعادة دور الأسرة كحاضنة للمسؤولية لا للاعتماد.

في النهاية، المجتمع الذي يتسامح مع العطالة يوقّع شهادة موته البطيء، والإنسان الذي يرفض العمل ثم يشتكي من ضيق العيش شريك في أزمته، لا ضحية لها. الحياة لا ترحم المتقاعسين، والتاريخ لا يذكر المتفرّجين.

 

 

0 التعليقات:

أضف تعليقك

آخر الأخبار