الثلاثاء 03/فبراير/2026

الخلاص من سجن النمطية

الخلاص من سجن النمطية

 

 

  • بلا شك، هناك صورة نمطية ظلت ملازمة للشخصية السودانية منذ عقود خلت وحتى الآن.
    هذا الإطار – وإن كان يحمل في طياته أبعادًا مشرقة عن السوداني من حيث الصفات الأصيلة كالأمانة والصدق والشهامة والجود والإقدام وغيرها من مكارم الأخلاق – إلا أنه ما يزال ينطوي على تقييم مجحف، إلى حدٍّ ما، لكل ما هو سوداني كمًّا وكيفًا.
    فعلى الرغم من توفر قدر كبير من الإبداع والتفرّد، إلا أن السودانيين لم ينجحوا في تسويق أنفسهم في شتى الضروب الرياضية والثقافية والأدبية والسياسية وسائر الأنشطة الإنسانية الأخرى، وهو أمر جدير بالتأمل والتمحيص علّنا نسبر أغواره.
    المسببات حتمًا متعددة، غير أن أزمة الهوية ربما كان لها دور بارز، وأسهمت بشكل أو بآخر في خلق هذا المتراس ذي القرار العميق.
    المؤكد أن هذا الموضوع ليس حديث عهد بمجالس النقاش والتفاكر التي يعقدها الناس بشكل عفوي، أو عبر السمنارات والورش – إن وُجدت بالفعل.
    لكن ما لفت نظري لهذه المعضلة منشورٌ على تطبيق «فيسبوك» – لا أذكر اسم صاحبته للأمانة – تناول الأمر من زاوية مغايرة، منتقدًا بحث الشخصية السودانية عن التقدير الخارجي من الجنسيات الأخرى.
    بمعنى أن السوداني – في الغالب – يسعد أيّما سعادة عندما ينال إشادة وثناء الآخرين، ويعتبر ذلك قلادة شرف وجائزة ثمينة تستحق الاحتفاء.
    والحقيقة التي يجب أن نواجه بها أنفسنا، رغم قسوتها، أن الرغبة في تلقي التقدير الخارجي تنمّ عن اهتزاز وخلل كبيرين في التركيبة النفسية والاجتماعية.
    أعتقد جازمًا أن معالجة هذا القصور هي الأهم، لارتباطه الوثيق بالنجاح والتميّز والتفرّد.
    تقييم الذات مدخل للاعتزاز بالموروث المحلي، وهذا كفيل بزرع ثقة أكبر من شأنها أن تذيب أي فارق وهمي وتحيله إلى العدم.
    الاقتناع بجودة منتجنا واختلافه عمّا لدى الغير، إلى جانب حب الذات وتقديرها والإيمان بالإمكانات، عوامل وجوانب حريٌّ بنا تعزيزها وبناءها.
    بغضّ النظر عن تصوّرنا للسودان الجديد سياسيًا واجتماعيًا، لا بد أن يكون إصلاح وترميم سلبيات الشخصية السودانية هدفًا استراتيجيًا قوميًّا.
    كنز السودان الدفين هو إنسانه، ولا شيء سواه.
    من الظلم والجور أن ترى الأجيال القادمة النور وتنشأ هكذا خبط عشواء، دون هدى يقودها إلى الرفعة والسؤدد.
    صحيح أن الأفكار والأطروحات والمشاريع القومية تحتاج إلى الصبر والتكاتف وروح الجماعة والوطنية الخالصة لتنفيذها، لكن قناعتي بضرورة بروز شخصية مختلفة من داخل المجتمع تقود التغيير تبقى راسخة في مكانها.
    نحن في حاجة ملحّة إلى نابهٍ وعرّابٍ ذي فكر متقد.
    الحلول ليست بالكلمات والوعود والأحلام؛ فالرغبة الصادقة في التغيير هي الأهم.
    مجرد فكرة وطرح عام لجدلية سرمدية.
    نواصل باستفاضة، إن شاء الله.
  • محامٍ ومستشار قانوني

0 التعليقات:

أضف تعليقك

آخر الأخبار