الفنان عزّ الدين عثمان، الكاريكاتيرست الشهير – رحمه الله – له كاريكاتير أضحكني كثيرًا، تظهر فيه امرأتان تقفان في منتصف خطوط عبور المشاة، وكل واحدة تضع يدها على رأس الأخرى بالطريقة القديمة لعزاء النسوان، بينما أصحاب العربات المتوقفة ينتظرون ويحدّقون في دهشة مضحكة جدًا.
تذكّرت هذا الكاريكاتير، وانتبهت معه لمقدار الجهد الذي يبذله كثيرٌ منا فيما يُسمّى بـ«المطايبة». فالمعروف عنّا أننا شعب طيّب بكل دلالات هذه الكلمة، التي غالبًا ما تدمغنا بها – بحسن نية أو بسوء نية – بعض الشعوب الأخرى، فنقبلها حينًا ونرفضها أحيانًا.
فمن النادر أن يُستضاف أحدُنا في قناة ما، فلا يستهل الحديث بالشكر للقناة وصاحبها، ومقدّم البرنامج، وأهله وصحبه. وفي زمن الحرب يُسهب في الترحم على الشهداء والدعاء للجرحى. وغالبًا ما يجد أي مصوّر صعوبة في نقل بثٍّ حيٍّ لمغنٍ أثناء أدائه لأغنية، بسبب تدافع البعض لمصافحة هذا المغنّي، والتبشير أمامه، وأحيانًا إهدائه فرعًا مستنظفًا من فروع الجهنّميات الحمراء.
أو الإصرار على تهنئة العريس أثناء رقصه مع عروسه في نصّ الحلبة، ثم بعد ذلك احتلال هذه الحلبة رقصًا وتنطيطًا، وحجبًا لكل طقوس العرس التي دُفع فيها «دم القلب». أو افتراع ونسة دقّاقة هدفها التعارف أثناء الوقوف في صف لقضاء مصلحة ما، أو تقديم الطعام (الخفيف) أثناء مجريات ندوة عامة.
وقد لاحظت بعد النزوح أننا نحن فقط – من دون كل المسلمين – من يسلّم على من يجلس عن يميننا ويسارنا بعد انتهاء صلاة الجمعة، ونحن فقط من يبدأ بالسلام حال دخوله لذلك الدلو المسمّى «مصعد»، وأحيانًا يتعدّى الأمر إلى حدّ مصافحة المنحشرين فيه!
وقديمًا تندّرت صحف إنجليزية على مبعوث سوداني أُتيحت له فرصة مصافحة الملكة إليزابيث، فأخذ «ياخد ويدي» معها، بعد أن سألها عن أحوالها.
ما ذكّرني بكل ما سبق هو ما اطّلعت عليه مؤخرًا من شكاوى مالكي تطبيقات الذكاء الاصطناعي مثل «شات جي بي تي» وإخوانه من الشاتات، من أن مراكز بيانات الخوادم الضخمة التي تعمل من خلالها هذه التطبيقات تستهلك قدرًا كبيرًا من الطاقة، وتتطلّب تبريدًا يستهلك قدرًا مهولًا من المياه العذبة، إضافة إلى استهلاك كميات ضخمة من الكهرباء.
لكن المدهش أن عُشر هذه الطاقة يستهلكها هذا «الجنّ المستحدث» في ردوده على المطايبات التي يبذلها له المستخدمون، من قبيل الشكر والثناء والإشادة بردوده وحلوله، وأحيانًا اختبار مقدراته، ومحاولة خداعه، وتحميله بكثير من المجاملات والونسة و… «المطايبات».
وقد لوحظ أن البدء في مخاطبة الذكاء الاصطناعي بكلمات مثل: لو سمحت، أو هل تستطيع، أو إذا أمكن، وأن الانتهاء بعبارات مثل: لكم الشكر والتحايا، وربما بارك الله فيكم، أو جزاكم الله خير الجزاء، تبدو غير ذات شأن، ولكن باستخدام الملايين لها على مدار الدقيقة، تصبح عبئًا على تلك الأجهزة التي تبادل الإحسان بالإحسان، وترد التحية بأحسن منها، وبالتالي تستهلك قدرًا مهولًا من الطاقة، يترتب عليه إهدار لموارد القارة بطريقة مكلفة ومتضاعفة، وكل ذلك نتيجة ظرافة ومطايبة هذه الآلات الذكيّة.
بالطبع لسنا المقصودين وحدنا بذلك التنبيه، ولكن لأننا الأكثر مطايبة في هذا العالم، فالمطلوب أن…
«تخشوا في الموضوع على طول»،
أو كما طلب الخواجة.
0 التعليقات:
أضف تعليقك