في كل الندوات والمنتديات التي تستضيفني متحدثًا عن فقيد الوطن والفن مصطفى سيد أحمد، وفي كل ما ظللت أكتبه عنه، كنت أشير دائمًا إلى أن من أهم أسس نجاحه كفنان ثقته الكبيرة بنفسه، وهي الثقة التي انعكست بالضرورة على مشروعه الفني.
ولولا هذه الثقة، لما كُتب لذلك المشروع النجاح، ولاندثر في مهب الإهمال.
الحرب غير المعلنة التي تعرض لها، قابلها بثبات وهدوء، دون انفعال أو توتر. أُغلقت في وجهه أبواب الأجهزة الإعلامية: الإذاعة، والتلفزيون، والصحف… إلخ، فكان صاحب فكرة جلسات الاستماع في أندية الأحياء والجامعات.
حاربوه بالإشاعات، وركزوا على شائعات موته قبل كل حفل لإفشاله، لكن إشاعاتهم المريضة كانت تنهزم أمام خطواته الواثقة وهي تمضي بثبات في طريق النجاح.
تحدى مصطفى، بهذه الثقة التي أتحدث عنها، كل العوائق والأشواك، دون إضاعة وقته في استعراض شخصي أو ادعاء بطولات. وظّف كل وقته لفنه: يختار نصوصه، يلحن، ويغني، في الحفلات العامة والخاصة، وفي جلسات الاستماع.
وبحكم علاقتي الحميمة به، والمحبة التي جمعتنا، كنت أشفق عليه من الإرهاق الذي يعانيه، فأنبّهه بلطف إلى ذلك، لكنه كان يرد دائمًا:
«أنا كدة مرتاح».
نجح مصطفى في إيصال رسالته الفنية، وقدم فنًا جميلًا وممتعًا، وكسب أوسع مساحات حب الناس واحترامهم، بهذا الفن الذي كان وثيقة احترام وإضافة حقيقية للأغنية السودانية.
نجح مصطفى بثقته في نفسه وفي مشروعه، لأن تلك الثقة استمدها من فهمه الواعي بأنه يقدم مشروعًا فنيًا محترمًا.
ثلاثون عامًا يا مصطفى، وأنت تتحدى الغياب، وتنتصر عليه بحضورك الذي لم يغب.
لك الرحمة والمغفرة والعتق من النار.
0 التعليقات:
أضف تعليقك