الثلاثاء 03/فبراير/2026

ابن السديرة الشرقية، وأصالة إنسان الجزيرة

ابن السديرة الشرقية، وأصالة إنسان الجزيرة

 

ذهبت لأداء واجب العزاء في إحدى الاستراحات بمدينة الرياض، في وفاة أخ وصديق عزيز، رحمه الله وجعل الجنة مثواه. كان مجلس العزاء عامرًا بأهل الفقيد والمعزين، وبدأت في التنقّل بينهم مصافحًا ومسلمًا، كما هي عادتنا السودانية التي لا تُختصر ولا تُستعجل.

وأثناء انتقالي من شخص إلى آخر، صافحني أحد كبار السن بحرارة لافتة وترحيب صادق، ثم نظر إليّ مبتسمًا وسألني:
عرفتني؟
توقفت قليلًا أتأمل ملامحه، ثم قلت له معتذرًا:
والله يا عمنا ما عرفتك.

قال بهدوء وثقة:
بعد ما تخلص السلام، تعال أقعد جنبي هنا، وأنا بحكي ليك من أنا.
أنهيت السلام وجلست إلى جواره، وقد وسّع لي المكان بمحبة. وبعد أخذٍ وردٍّ في التحايا، قال:
أنا اسمك ما بستحضرو، لكن شكلك ده ما بيغباني.
قلت له: اسمي إبراهيم العمدة.

بدأ العم في سرد حكايته، وهو يحدّثني ويحدّث من حولنا من المعزين. قال إنه قبل أكثر من عشر سنوات، وفي يوم من أيام الصيف القائظة، تعطلت سيارته فوق “ضهر الكنار” بعد قهوة الخشب بقليل، وهو في طريقه إلى حلتهم ود البصير. كان وحيدًا، والحر شديد، والشمس فوق رأسه، ولا يدري إلى أين يتجه أو من يمكن أن يساعده في مثل ذلك المكان والزمان.

وبينما هو غارق في التفكير والحيرة، توقفت خلفه سيارة، نزل منها شاب، حيّاه وسأله عن حال سيارته، ثم قال له بلهجة صادقة:
إنت زول كبير في السن، وواجبي ألقى ليك حل. ما بقدر أخليك كده وتمشي.

واقترح عليه أن يركب معه إلى حلتهم السديرة الشرقية، يتغدى معهم ويرتاح قليلًا، على أن يعودوا لاحقًا لإصلاح السيارة. يقول العم الصديق:
والله يا ولدي، الشاب دا ودّاني البيت، اتغديت، وصلّينا العصر، وبعدها رجعنا مع ميكانيكي من الحلة، والحمد لله العربية اتصلحت.

لم يتوقف المعروف عند هذا الحد، بل أصرّ أهل البيت أن يبيت عندهم، خوفًا من أن تتعطل السيارة مرة أخرى في الطريق. يقول:
عاملوني معاملة خلت دموعي تنزل، والموقف ده لا زال ساكن في قلبي، وما قدرت أنساه مهما طال الزمن.

ثم نظر إليّ وقال بثقة:
الزول الوقف معاي دا إنت.

ابتسمت وقلت له:
لا يا عمنا، ده ما أنا.
فقال:
والله الشبه كبير… وربنا يخلق من الشبه أربعين.

قلت له:
لكن الزول الوقف معاك ده كأنه أنا، وحلتهم السديرة كأنها حلتنا أفطس العوامرة. نحن جيران، وأهلنا العسيلات والعوامرة أبناء عمومة، وده طبع ناس الجزيرة في كل مكان.

خرجت من هذا الموقف بانطباع عميق: أن المواقف الإنسانية الصادقة لا تضيع، وقد تساعد شخصًا وتنسى اسمه وملامحه، لكنه يظل يحمل فعلك في قلبه ووجدانه سنوات طويلة، كما حمله عمنا الصديق.

ساعدوا الناس ولو بكلمة طيبة؛ فسبحان من جعل الابتسامة صدقة نؤجر عليها، فكيف بالعون الحقيقي؟
وكما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
لا تحقرنّ من المعروف شيئًا، ولو أن تلقى أخاك بوجهٍ طلق.

 

 



0 التعليقات:

أضف تعليقك

آخر الأخبار