يأبى الذهب إلا أن يظل حديث العالم و«تريند» الأسواق، بين صعودٍ تاريخي يلامس الذُّرى، وهبوطٍ مفاجئ يعيد خلط الأوراق. فبعد أن سجّل مستوى قياسيًا بلغ 5594.82 دولارًا للأونصة الخميس الماضي، بدأت تراجيديا التراجع بنسبة تراوحت بين 3 و5%، لتدخل أسواق الذهب والفضة واحدةً من أكثر مراحل التذبذب حدّة في تاريخها الحديث.
هنا محاولة لفهم أسباب جنون اهتزاز المعدن الأصفر، بعد أن شهدت أسعاره — والفضة أيضًا — هبوطًا حادًا متزامنًا مع أكبر خسائر يومية بعد القمة التي تربع عليها في الأيام الأخيرة. وهنا تثار تساؤلات عميقة حول حجم التأثيرات الاقتصادية والسياسية الكامنة خلف هذا الاضطراب اللافت.
خلال جلسات نهاية يناير 2026، تراجع سعر أونصة الذهب من مستويات قريبة من 5600 دولار إلى ما دون 5000 دولار، تحت ضغط واسع لعمليات جني الأرباح، مدفوعًا بقوة الدولار الأميركي وارتفاع توقعات التشدد في السياسة النقدية.
أما الفضة، فقد سجّلت هبوطًا صادمًا تجاوز 28–31% في جلسة واحدة، في أسوأ أداء لها منذ عام 1980، ما يعكس مدى حساسية أسواق المعادن النفيسة تجاه تغيّر توقعات أسعار الفائدة وتقلبات السيولة العالمية. وبحسب تقارير فايننشال تايمز وتحليلات كبار الخبراء الماليين، فإن هذا التراجع لا يُعد مجرد تغيّر عابر في الطلب، بل تصحيحًا حادًا بعد موجة صعود قياسية وعمليات بيع واسعة لجني الأرباح.
لكن ما الذي حرّك هذه التقلبات غير المسبوقة؟
في مقدمة العوامل المحرِّكة لتحركات الذهب، تأتي التوقعات المرتبطة بسياسة الاحتياطي الفيدرالي الأميركي. فقد أثار ترشيح الرئيس الأميركي كيفن وورش لرئاسة مجلس الاحتياطي مخاوف من توجّهٍ أكثر تشددًا في السياسة النقدية، ما عزّز قوة الدولار وخفّض جاذبية الذهب كملاذ آمن.
وارتفاع الدولار الأميركي يجعل الذهب — المُسعَّر بالدولار — أكثر كلفةً لحائزي العملات الأخرى، الأمر الذي يضغط على الطلب العالمي. كما أظهرت بيانات السوق الأخيرة أن تراجع رهانات خفض أسعار الفائدة عن مستوياتها المتوقعة كان له أثر سلبي مباشر على أسعار الذهب والفضة، ودفع المستثمرين إلى إعادة تقييم مراكزهم الاستثمارية.
وكانت أسواق المعادن النفيسة قد شهدت ارتفاعات استثنائية خلال عام 2025، إذ صعد الذهب بأكثر من 60%، بينما قفزت الفضة بما يزيد على 130% قبل التصحيح الأخير. هذا الصعود الحاد فتح الباب أمام موجات مضاربية واسعة، تلاها جني أرباح مكثف ساهم في التراجع العنيف.
إلى جانب ذلك، لعبت التوترات الجيوسياسية العالمية واستمرار المخاوف المتعلقة بالنمو الاقتصادي دورًا محوريًا في تحركات الأسعار، ما جعل المستثمرين يتأرجحون بين شهية المخاطرة والبحث عن الملاذات الآمنة.
ورغم الهبوط الحاد على المدى القصير، لا يزال الذهب يُنظر إليه كحافظٍ للقيمة — ولـ«الجمال» أيضًا — على المدى المتوسط والبعيد. فقد سجّل المعدن النفيس خلال السنوات الماضية ارتفاعات تاريخية مدفوعة بمخاوف التضخم، وضعف العملات، وتنامي الطلب من المستثمرين التقليديين والبنوك المركزية على حدٍّ سواء.
وتشير توقعات عدد من البنوك والمؤسسات المالية الكبرى إلى بقاء أسعار الذهب ضمن نطاقات مرتفعة خلال 2026، مع ترجيحات بأن يتراوح السعر بين 4500 و5000 دولار للأونصة، في ظل استمرار مشتريات البنوك المركزية واحتمالات تراجع الدولار على المدى المتوسط.
في المحصلة، لا يُعد الذهب مجرد رقم يتقلب على شاشات التداول، بل مرآة صادقة لحالة الاقتصاد العالمي وتوجهات السياسات النقدية. وفي وقتٍ تتسم فيه الأسواق بحدّة التقلب، يبقى التحليل المنهجي للمعطيات الاقتصادية والسياسية هو المفتاح الحقيقي لفهم المسارات المقبلة.
ورغم العواصف، يظل الذهب ملاذًا تقليديًا في أزمنة القلق وعدم اليقين، وتؤكد الزيادة المستمرة في طلب البنوك المركزية عليه أن الثقة فيه ما زالت قائمة، حتى وإن اهتزت الأسعار على المدى القصير.
وفي النهاية، تكشف هذه التطورات أن الذهب ليس مجرد استثمار، بل بوصلة تعكس المزاج الاقتصادي والسياسي العالمي أكثر من أي أصل آخر، وأن متابعة حركته ستظل ضرورية لفهم المخاطر المقبلة والفرص الكامنة في عالمٍ تتزايد فيه الضبابية.
0 التعليقات:
أضف تعليقك